منوعات

اتطلقت من سنه رومانى مكرم3

وفي يوم من الأيام، مروان كان قاعد في مخزن الخردة اللي شغال فيه، ودخل عليه صاحب المخزن، راجل معلم كبير ومعروف بقرشه ونفوذه، وبص لمروان وقال له بنبرة جافة: “بقولك إيه يا مروان.. إنت بتعرف تقرأ وتكتب وتتكلم شيك وساعات بتلبس البدلة المبهدلة بتاعتك دي.. أنا عندي مصلحة كبيرة وشغل تصفية حسابات وتوقيع عقود مع شركة توريدات فلاحي كبيرة في المنوفية.. الشغلانة دي لو تمت صح، هطلع لك منها عمولة محترمة تسدد بيها نص ديونك اللي بتقول عليها.”

مروان عينيه لمعت بريق أمل كأنه غرقان ولقى قشة، ووقف بسرعة وقال: “أنا تحت أمرك يا معلم! قولي بس اسم الشركة وإيه المطلوب وأنا هسافر بكرة الصبح وأخلص لك كل الأوراق والعقود بالقرش والمليم!” المعلم طلع كارت شخصي شيك جداً ورمى به على المكتب وقال: “الشركة اسمها (مؤسسة الصلاح للتجارة والتوريدات الفلاحية).. صاحبة الشأن هناك واحدة ست بمليون راجل، اسمها الست ياسمين صلاح، بس اللي بيمضي العقود الكبيرة وبيخلص المسائل هو أبوها، الحاج صلاح.. روح وقدم ورقنا واعرض الأسعار، وحاول تظبط الكلام معاهم لإنهم ناس أصول ومبيحبوش اللف والدوران.”

الاسم نزل على دماغ مروان زي الصاعقة.. ركبه سابت لدرجة إنه ساند على المكتب عشان ميقعش، والدم هرب من وشه تماماً. “ياسمين؟ الحاج صلاح؟” تمتم بيها مروان بصوت مرعوب وباهت. المعلم بص له باستغراب وقال: “جرى إيه يا مروان؟ وشد حيلك كده.. مالك اتخضيت كأنك شفت عفريت؟ إنت تعرفهم ولا إيه؟” مروان بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مخنوق: “لا.. لا يا معلم.. بس الاسم مش غريب عليا.. حاضر، هجهز الورق وهروح بكرة.”

مروان مكنش قدامه اختيار؛ يا إما يرفض الشغلانة ويطرد من الوظيفة الوحيدة اللي بتاكله عيش هو وأمه، يا إما يروح ويواجه ماضيه وجحوده وجهاً لوجه.. ويقف قدام ياسمين اللي ذلها، وقدام الحاج صلاح اللي كسر مناخيره بالأصول والأدب. ## العودة للمنوفية.. مكسور الجناح

تاني يوم، ركب مروان الميكروباص وراسه ساندة على الشباك، والذكريات بتمر قدامه كأنها شريط سينما. افتكر لما كان بيرفض يقعد مع أهل ياسمين ويقول “أنا مأكلش مع فلاحين”، وافتكر لما كان بياخد اللحمة والبط ينزل بيهم لأمه ويقول “أهلك بخلاء”.. والنهاردة هو رايح لبلدهم، راكب ميكروباص متبهدل، وشايل ملفات الشغل عشان يطلب رضاهم ويترجاهم يقبلوا الصفقة عشان ياكل عيش. وصل مروان لمقر الشركة الجديد اللي بناه الحاج صلاح على أطراف القرية؛ مبنى شيك جداً وواسع، وواقف قدامه عربيات نقل ضخمة بتحمل بضاعة وخير طالع للمحافظات التانية.

دخل مروان من الباب بخطوات مرتعشة، وبص للناس والموظفين اللي شغالين بهمة ونشاط. السكرتيرة استقبلته وقالت له: “اتفضل يا أستاذ مروان.. الحاج صلاح والست ياسمين مستنيينك في مكتب الإدارة جوة.” مروان حس بقلبه هيقف من الخوف. مشي ورا السكرتيرة لغاية ما فتحت باب المكتب الكبير والمكيف.

أول ما دخل، عينه جت على المكتب الفخم.. كانت قاعدة ياسمين، لابسة لبس شيك جداً ووقور، ووشها منور بملامح سيدة أعمال واثقة من نفسها ومفيش في عينيها أي أثر للحزن أو الكسرة اللي سابها فيها. وجنبها كان واقف الحاج صلاح بهيبته ووقاره وجلبابه النظيف، وفي حضنه طفل صغير جميل بيضحك.. ابنه ياسين اللي بقى عنده سنة ونص. ياسين كان لابس لبس جميل وشبه ياسمين قوي. أول ما مروان شاف ابنه، دموعه غلبت عينيه ونزلت رغماً عنه. خطى خطوة لقدام وهو بيمد إيده وصوته بيترعش:

“ياسين.. ابني..” لكن الحاج صلاح طبطب على ضهر الطفل الصغير، وسلمه للسكرتيرة بهدوء وقال لها: “خدي ياسين يا بنتي خليه يلعب برة مع عمامه.” الباب اتقفل، وتبقى مروان واقف في نص المكتب، مكسور ودبلان، قدام ياسمين والحاج صلاح. ياسمين بصت له بنظرة هادية جداً، نظرة خالية تماماً من الغضب أو الانتقام.. كانت نظرة “استغناء” وشفقة، ودي أصعب نظرة ممكن راجل طماع يشوفها من الست اللي ظلمها. وقالت بنبرة هادية وقوية: “اتفضل اقعد يا أستاذ مروان.. اعرض علينا الملف والأسعار بتاعة المعلم بتاعك عشان وقتنا ضيق.”

مروان قعد على الكرسي وهو مش قادر يبص في عين ياسمين، وطلع الملف بإيد ترتعش وحطه على المكتب وقال بصوت مبحوح: “ياسمين.. أنا.. أنا مش جاي عشان الشغل بس.. أنا جاي وأنا بموت كل يوم ميت مرة.. السنتين اللي فاتوا وروني النجوم في عز الظهر.. وعرفت إن كسر الخواطر وذل الناس الطيبين عقابه بيبدأ في الدنيا قبل الآخرة. أنا آسف يا ياسمين.. أنا مكنتش راجل معاكي ولا مع أهلك الطيبين.” الحاج صلاح بص له، وحط عصايته على المكتب وقال بوقار الفلاح الأصيل:

“اللي مبيصونش النعمة يا مروان، بتمشي وتسبه للتراب. وإحنا طوينا صفحتك من يوم ما بصمت على ورقة الطلاق في الدوار.. بنتي مبقتش ياسمين المكسورة بتاعة زمان، ياسمين النهاردة بتمشي بلد بحالها وبتأكل عائلات كتير من خير أرضنا اللي كنت بتستهزأ بيها وتسمينا مغفلين.” ياسمين أخدت الملف، وبدأت تقرأ فيه بجدية تامة كأن مروان مجرد مندوب ميعرفوش، وبعد دقايق مضا ب قلمها الشيك على العقد وقفلته، وبصت لمروان وقالت بوضوح:

“الصفقة دي تمت يا أستاذ مروان.. مش عشان خاطرك، لكن عشان المعلم بتاعك راجل شريف وبيرعى أكل عيش ناس كتير شغالين معاه، وإحنا مابنقطعش عيش حد.. وعمولتك من الصفقة دي هتوصلك كاملة لغاية عندك عشان تسدد ديونك.” مروان دموعه نزلت وهو شايف كرمهم اللي ملوش حدود حتى مع اللي آذاهم، ووقف وهو بيبص لياسمين وقال بلهفة: “طب وياسين؟ ابني.. ينفع أشوفه؟ ينفع أضمه لحضني ولو لدقيقة واحدة؟” الحاج صلاح وقف وبص لمروان، والابتسامة الهادية رجعت لوشه، وقال له الكلمة اللي هتقلب موازين اللقاء كله وتحدد مصير مروان النهائي..

“ياسين هيفضل هنا يا مروان.. وسط اللي صانوه وصانوا أمه.. بس لو عايز ياسين يعرف إن له أب بجد مش مجرد اسم في شهادة الميلاد.. لازم تعمل الحاجة اللي هقولك عليها دلوقتي..” ما هو الشرط الأخير والغير متوقع اللي هيطلبه الحاج صلاح وياسمين من مروان عشان يسمحوا له يشوف ابنه ياسين ويكون جزء من حياته؟ وكيف سينتهي صراع الطمع والجحود أمام أصل وكرم أهل المنوفية؟ مروان وقف مكانه، أنفاسه متسارعة، وعينيه معلقة بوقار الحاج صلاح وبنظرة ياسمين الثابتة اللي مفيهاش أي تردد. كان حاسس إن روحه متعلقة بالكلمة اللي هتطلع من بوق الحاج صلاح. بلع ريقه وسأل وصوته مخنوق بالدموع:

“أبوس إيدك يا حاج صلاح.. قولي إيه الشرط؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة، لو عايزني أشتغل فلاح في أرضك هنا وأخدم تحت رجليكم العمر كله عشان أشوف ابني وأكفر عن ذنبي، أنا موافق ومش هقول لأ!”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى