كان عندي ٨ سنين بس… يوم ما لقيت محفظة فيها فلوس تكفي إنها تنقذني أنا وأمي من الطرد من الشقة. لكن لما رحت أرجّعها لرجل أعمال ملياردير، واحدة في الاستقبال نادت الأمن عشان يرموني بره… لحد ما هو لمح الورقة اللي طالعة من شنطتي، واتغير وشه فجأة وقال بصوت عالي: “اقفلوا كل الأبواب… محدش يخرج من المبنى!” كانت المحفظة الجلد البني مرمية تحت كرسي أتوبيس قديم في شارع رمسيس، نصها مدفون في التراب. في الأول افتكرتها فاضية.
لكن أول ما فتحتها… نفسي اتقطع. رزم من ورق المية جنيه مرصوصة جوه بشكل يخليك تحس إنها مش حقيقية. عدّيت الفلوس مرة… واتنين… وإيدي كانت بتترعش أكتر كل مرة. كان فيها حوالي خمسين ألف جنيه. مبلغ عمرنا ما شفناه أنا وأمي. يكفي ندفع إيجار الشقة المتأخر. ويخلي الكهربا متتقطعش. ويوقف دموع أمي اللي كانت كل ليلة تستخبى في الحمام تعيط، وهي فاكرة إني نايمة. في لحظة… فكرت أحط المحفظة في شنطتي وأروح. محدش شافني وأنا بلقيها.
ومحدش هيعرف أبدًا. بس فجأة سمعت صوت أمي جوا دماغي. “إحنا يمكن معندناش فلوس يا سلمى… بس عندنا ضمير. والجدعنة الحقيقية بتبان لما محدش يكون شايفك.” قفلت عيني بقوة. الفلوس دي كانت ممكن تغيّر حياتنا. لكن لو خدتها… هبقى شخص أمي عمرها ما ربتنيش عليه. قلبت في المحفظة، ولقيت كارت شيك مكتوب عليه: المهندس ياسين المنشاوي رئيس مجلس إدارة مجموعة المنشاوي للاستثمار والطاقة الاسم كان معروف. كل الناس في مصر تقريبًا سمعوا عنه. واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد.
صرفت تقريبًا كل مصروفي عشان أركب مواصلات لحد التجمع الخامس. ولما وصلت قدام برج المنشاوي… كنت مرهقة. فستاني لازق فيا من الحر. الكوتشي متبهدل من التراب. وبطني بتوجعني من الجوع. المبنى كان ضخم بشكل يخوف. رخام في كل حتة. إزاز بيلمع. وناس لابسة بدل غالية داخلة طالعة وكأنهم في عالم تاني. قربت من الريسبشن، وحطيت إيديا على الرخامة. وقلت بهدوء: “أنا محتاجة أقابل الباشمهندس ياسين.” بصتلي موظفة الاستقبال من فوق لتحت… على فستاني القديم… وعلى شنطتي اللي كانت متخيطة كذا مرة.
وقالت ببرود: “معاكي ميعاد؟” هزيت راسي. “لأ… بس لقيت حاجة بتاعته.” عينها نزلت على المحفظة اللي في إيدي. وللحظة… ملامحها اتغيرت. ومدت إيديها بسرعة. “هاتيها.” حــ,,ـــــضنت المحفظة على صدـ,,ـــري. وقلت: “لا… لازم أسلمهاله بنفسي.” وشها قلب فجأة. وقالت بعصبية: “هو أي طفل يدخل هنا يطلب يقابل الأستاذ ياسين؟”
قلت بصوت واطي: “أنا مش بطلب حاجة… أنا بس جاية أرجع الأمانة.” ميلت عليا وقالت: “قدامك عشر ثواني تسلمي المحفظة… وإلا هنادي الأمن.” حسيت وشي ولع من الإحراج.
والناس كلها بدأت تبص عليا. وفي ثواني… اتنين أمن اتحركوا ناحيتي. كان نفسي أجري. لكن فضلت واقفة مكاني… ماسكة المحفظة… ورجلي بترتعش. وفجأة… باب الأسانسير اتفتح. وخرج منه راجل طويل، شعره كله شايب، وهيبته مالية المكان. أول ما موظفة الاستقبال شافته… وقفت باحترام وقالت بابتسامة مصطنعة: “يا فندم… البنت دي بتقول إنها لقيت محفظتك.” بصلي. وبص للمحفظة. وبعدين… وقعت عينه على ورقة الإنذار بالطرد من الشقة اللي كانت طالعة من شنطتي. في ثانية… لون وشه اتغير.
وبصلي وهو بيقول: “الورقة دي… جت معاكي منين؟” وقبل ما ألحق أرد… لف ناحية أفراد الأمن وقال بصوت هز المكان كله: “اقفلوا كل أبواب الشركة… ومحدش يخرج من هنا.” انخبطت الأبواب الإزاز الضخمة ورايا بصوت قوي هز الصالة كلها. موظفة الاستقبال اتجمدت مكانها، ورجال الأمن بطلوا يتحركوا ناحيتي وبصوا لبعض بذهول، والهمهمات اللي كانت مالية المكان سكتت فجأة وكأن الزمن وقف.
ياسين المنشاوي كان واقف وعينه متبتة على الورقة اللي طالعة من شنطتي القديمة. مشي ناحيتي بخطوات بطيئة، لكن هيبته وقامته الطويلة كانوا بيخلوا الأرض تحتي تتهز. كل خطوة كان بياخدها، كان قلبي فيها بيدق بسرعة مرعبة، لدرجة إني كنت حاسة إن الكل سامع دقاته. وقف قدامي بالظبط. ريحة برفانه الغالي والقوي ملّت الهوا. وطى بمستواه لحد ما بقى في طولي، وبص في عيني بتركيز غريب وجريء، وكأنه بيدور على ملامح حد يعرفه كويس، حد تاه منه من سنين.
مد إيده ببطء، وبأدب شديد سحب ورقة الإنذار بالطرد من طرف شنطتي. فتح الورقة المطوية وبدأ يقراها بتركيز. ملامح وشه الهادية بدأت تتحول وتتشد بشكل يخوف. عروق إيده اللي ماسكة الورقة برزت لدرجة إن الورقة بدأت تكرمش في إيده، وعينيه بقت زي الجمر من الغضب. بص لموظف كبير كان واقف وراه لابس بدلة فخمة وبيهمس في تليفونه بارتباك، وزعق فيه بصوت زلزل الرخام تحت رجلينا: “حازم! تعالى هنا فوراً!” الراجل اللي اسمه حازم جه يجري بسرعة، وشه كان جايب ألوان، وعرق غزير بدأ ينزل على جبهته. بلع ريقه وقال بصوت بيترعش:
“تحت أمرك يا فندم… فيه إيه؟ البنت دي ضايقتك في حاجة؟ الأمن هيتصرف…” ياسين رمى الورقة في وشه وقال بنبرة واطية ومرعبة زي الهدوء اللي قبل العاصفة: “إقرا ده يا حازم… إقرا العنوان والاسم المكتوب في أمر الإخلاء ده. مش دي عقود الإخلاء والهدم بتاعة منطقة رمسيس اللي أنت لسه ممضيني عليها الأسبوع اللي فات؟ مش أنت قولتلي إن الأرض دي فاضية تماماً، والأهالي استلموا تعويضاتهم بالكامل ومضوا على عقود تراضي برضاهم؟”
