داخل حجز القسم الضيق، كانت الساعات بتمر على مروان كأنها سنين. ريحة المكان، وصوت المتهمين حواليه، والضلمة اللي بتلف الجدران، كل ده كان بياكل في أعصابه. بص لقميص بدلته الشيك اللي اتبهدل وبقى ريحته عرق وتراب، وافتكر كلامه لياسمين لما كان بيقولها “أنا هسيب بنتك تموت بدموعها”.. دلوقتي هو اللي كان بيموت بدموعه وخوفه من بكرة. دخل عليه المحامي للمرة التانية، وبمجرد ما مروان شاف وش المحامي المقبوض، عرف إن مفيش مفر. سأله بصوت مرعوب وباهت:
“عملت إيه يا متر؟ الحاج صلاح وافق يخفف الشروط؟ بلاش موضوع السفر والاعتذار قدام الناس في البلد.. أنا كده هتدفن بالحيا!” المحامي هز راسه بأسف وهو بيقفل شنطته: “الحاج صلاح كلمته واحدة يا مروان. يا إما تمضي على الشروط دي وتيجي تقدم اعتذارك وتطلق في وسط البلد، يا إما القض*ية هتحال للجنايات الأسبوع الجاي.. وصدقني، بالمستندات اللي معاهم، هتاخد حكم مش هيقل عن سبع سنين سجن مع الشغل والنفاذ، ده غير تدمير مستقبلك ووظيفتك للأبد. قدامك ساعتين تختار.”
مروان حط إيديه على وشه وبدأ يعيط بكسرة وحرقة، كبرياؤه المزيف اللي بناه بالمنظرة والبدلة الشيك اتهد تماماً تحت رجلين الحق. وبصوت مبحوح قال: “أنا موافق.. موافق على كل حاجة.. بس اخلص من الكابوس ده.” ## يوم الحساب في المنوفية بعد تلات أيام، كانت شمس المنوفية طالعة دافية بتنور الغيطان الواسعة وبيوت البلد الأصيلة. دوار الحاج صلاح كان ماليان على آخره. كبار العائلات، العمد، والمشايخ من كل القرى المجاورة كانوا قاعدين على الكراسي الخشبية الكبيرة، والقهوة السادة بتتدور على الحاضرين في صمت ووقار يهز القلوب.
في وسط الدوار، كانت ترابيزة كبيرة محطوطة، وقاعد عليها المأذون الشرعي، وجنبه دفاتر الطلاق والوصولات والتنازلات. وعلى جنب، كانت ياسمين قاعدة ورا ستارة خفيفة في صالة الدوار الداخلية، شايلة ابنها ياسين في حضنها، والدموع في عينيها بس المرة دي دموع راحة ونصصرة، وأمها واقفة جنبها بتطبطب عليها وتقولها: “حقك جالك لغاية عندك يا بنتي، وراسنا اترفت في السما.”
فجأة، دخلت عربية تاكسي نزلت مروان والمحامي بتاعه. مروان كان ماشي وخطواته تقيلة، عينه في الأرض، وبدلته الشيك اللي كان بيتباهى بيها كانت مكرمشة ووشه دبلان وأصفر. أول ما خطى عتبة الدوار، عينين كل الرجالة والهيبة اللي في المكان اتجهت ناحيته بنظرات كلها استحقار للراجل اللي مبيصونش بيته ولا بيحترم الأصول. الحاج صلاح كان قاعد في صدر الدوار بجلبابه الصوف وهيبته وعصايته في إيده. وبصوت قوي وواضح قال: “اتفضل يا مروان.. اقعد.” مروان قعد على طرف الكرسي وجسمه بيترعش، وبص للحاج صلاح وقال بصوت واطي:
“أنا جيت يا حاج صلاح.. وبقولك قدام الناس كلها أنا آسف.. أنا غلطت في حقك وفي حق بنتك وفي حق الخير اللي دخل بيتي.” الحاج صلاح وقف، ومشي بخطوات تقيلة ووقورة لغاية ما وقف قدام مروان بالظبط، وبص له وقال بنبرة هزت القلوب: “الأسف ده لربنا يا مروان اللي هتحاسب قدامه على ذل بنتي وأكل خيرنا بالباطل. إحنا فلاحين يا مروان.. الفلاحين اللي كنت بتقول عليهم مغفلين وبتستخسر تاكل معاهم على طبلية واحدة. الفلاحين دول هما اللي شبعوك وعلموك يعني إيه أصول، وهما برضه اللي يقدروا يكسروا مناخير أي حد يفكر يذل بنتهم أو يطمع في حقهم.”
التفت الحاج صلاح للمأذون وقال: “ابدأ يا شيخنا.” المأذون بدأ يكتب، ومروان بيمضي وهو يده بترتعش. مضى على التنازل عن شقة الزوجية بكامل منقولاتها لياسمين، ومضى على إقرار بعدم التعرض وتنازل عن أي قضايا تخص الولد، ومضى على وصولات الأمانة اللي تضمن حماية ياسمين مدى الحياة. وفي النهاية.. حط بصمته وقلمه على ورقة الطلاق. المأذون بصوت جهوري قال: “إن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. وبذلك طلقت ياسمين صلاح من مروان عبد الرحمن طلقة أولى بائنة.”
الحاج صلاح خد كل الأوراق وسلمها لمحاميه عشان يقدم التنازل في قضايا الاختلاس والتزوير ويقفل المحاضر، وبص لمروان وقال ببرود: “ورقك سليم وقضيتك هتتقفل يا مروان.. تقدر تمشي دلوقتي، بس افتكر كويس.. رجلك لو عتبت ناحية بنتي أو ابنها، الوصلات دي هتوديك السجن تالت ومتلت.” مروان وقف وهو حاسس إنه خفيف وعريان من كل كبرياء، لف ضهره عشان يمشي ويخرج من الدوار وهو واطي الراس والكل بيبص عليه بكسرة وقرف.
لكن قبل ما يوصل لباب الدوار، حماته (أم ياسمين) خرجت من ورا الستارة، وفي إيدها كيس أسود كبير وسمين وتقيل، ورمته تحت رجلين مروان بقوة خلت الكيس يعمل صوت على البلاط. مروان اتصدم وبص للكيس وبص لأم ياسمين اللي قالت له بمرارة وقوة فلاحين أصيلة: “خد يا مروان.. دي البطة السمينة اللي كنت بتذم فينا وتقول أهلك بخلاء ومجابوش لأمي وأختي. أهلك أهم.. ودول فلاحين المنوفية الطيبين الكرما.. بنرمي للي زيك الخير تحت رجليهم وبنقولهم شبعوا بطونكم وعينكم الجعانة.. بس بنتنا وكرامتنا خط أحمر!”
الدوار كله ضج بصوت الهمهمات والنظرات اللي كملت على الباقي من كرامة مروان. مروان بصلهم والدموع نزلت من عينه بجد من كتر الإهانة والذل، ومقدرش حتى يشيل الكيس، جرى وخرج من الدوار وركب التاكسي وهو بيخبي وشه بإيديه من نظرات أهل البلد اللي واقفين في الشارع يتفرجوا عليه وهو مكسور وراجع مدحور لمدينته. مرت الشهور، وياسمين بدأت تتنفس الحرية من جديد وسط عيلتها وأرضها. ياسين كبر وبقى عنده ست شهور، يضحك ويملا البيت بهجة وسعادة، والحاج صلاح شايله علطول على كتفه ويدور بيه وسط الغيطان ويقول له: “يا واد إنت هتبقى سيد الرجالة، وهتطلع شبعان وصاحب أصل.”
أما مروان.. فرجع لشقته القديمة وسط أمه ومرات أخوه، خسر وظيفته المحترمة واتنقل لوظيفة تانية صغيرة بمرتب ضعيف جداً عشان يقدر يعيش ويسدد ديون المحامين. أمه ومرات أخوه اللي كانوا بياكلوا من خير ياسمين، بقوا دايماً يتخانقوا معاه على المصاريف والقرش، وبقت الشقة تملأها النكد والخناقات بعد ما الخير والبركة انقطعوا من بيتهم للأبد. وفي يوم من الأيام، كان مروان قاعد في القهوة الشعبية لابس لبس عادي جداً، دبلان ومهموم، وماسك تليفونه بيقلب في صفحات التواصل الاجتماعي، وفجأة عينه وقعت على بوست نازل على صفحة عائلات المنوفية..
البوست كان فيه صور لياسمين وهي واقفة وسط أرض أبوها، ووشها منور وبتبتسم وهي شايلة ابنها ياسين اللي لابس لبس فلاحي جميل، وجنبها الحاج صلاح والضحكة مالية وشه، والناس كاتبة بتبارك لياسمين على مشروعها الجديد اللي بدأته في تصنيع وتوريد المنتجات الفلاحي للمدينة والشركات الكبيرة باسم “منتجات الصلاح”. مروان بص للصورة وحس بنغزة قوية في قلبه.. الندم والحسرة كانوا بياكلوا في روحه وهو شايف البنت اللي ذلها وهي ناجحة وسعيدة ووسط أهلها، والخير اللي كان بياكله بقى بيتباع ويكبر من غيره.
لكن مروان مكنش يعرف إن لسه في فصل أخير في القصة دي.. فصل هيجيب رجليه لبيت ياسمين تاني بس بطريقة تانية خالص.. طريقة مكنش يتوقعها أبداً.. تليفون مروان كاد يسقط من إيده وهو بيبص لصور ياسمين وابنه ياسين اللي كبر وبقى مالي الشاشة بضحكته المنورة. كان بيمسح على شاشة التليفون بصوابعه المرتعشة، ونغزة الحسرة والندم بتنهش في قلبه نهش.
كل شيء حواليه في المدينة بقى ضيق وكئيب؛ الشقة الشعبية اللي كانت دايماً مليانة بضحك أمه ومرات أخوه وهما بيفرحوا بالبط واللحمة اللي جاية من خير المنوفية، اتحولت لخرابة تسكنها الخناقات والمشاكل اليومية على تمن العيش ومصاريف البيت. أمه مبقتش تبطل دعاء وضيق، ومرات أخوه بقت تبص له بنظرات استقلال بعد ما اتفصل من وظيفته المحترمة وبقى شغال كاتب حسابات صغير في مخزن خردة بمرتب يدوب يكفي تمن مواصلاته. وفي ليلة كئيبة، ومروان قاعد على سريره في الضلمة، سمع أمه ومرات أخوه بيتخانقوا في الصالة برة على تمن كيلو طماطم وزجاجة زيت، وصوت أمه وهي بتصرخ وتقول:
> “يا خيبتك السودا يا مروان! طفشت البنت اللي كانت شالتنا من الأرض شيل، وكان بيتها مليان خير وبركة يغرق بلد.. أدينا قاعدين بنشحت القرش، ومبقاش يدخل بيتنا حتة لحمة حمرا زي الناس!” > مروان حط إيديه على ودنه وهو بيبكي بدموع حارقة، وعرف في اللحظة دي إن “البركة” لما بتمشي من البيت بتسيب وراها فقر وقحط ملوش آخر، وإن ذل النفوس الطيبة تمنه غالي قوي عند ربنا. ## المفاجأة التانية.. ضربة القدر
مرت سنة كاملة على الطلاق. ياسمين كبرت وكبر معاها مشروعها “منتجات الصلاح” وبقت من أشهر سيدات الأعمال الصغيرين في المنوفية، بتورد سمن بلدي وزبدة وجبنة وفواكه لأكبر محلات السوبرماركت في القاهرة. وياسين ابنه بقى بيمشي على رجليه، وبقى ضحكة البيت كله وسند جده الحاج صلاح اللي مكنش بيمشي خطوة في الغيط من غير ما ياخده في إيده.
