الحاج صلاح أخد نفس عميق، وبص لصورة ياسين الصغيرة المحطوطة على مكتب ياسمين، وقال بصوت حكيم وهادي: “الأرض اللي بتتكلم عنها دي يا مروان شرف.. ومبيخدمهاش ولا بيشقى فيها إلا الراجل الشبعان في بيت أبوه، اللي بيصون اللقمة ويحترم النعمة. إحنا مش عايزين نذلك، ولا عايزين نكسر رقبتك زي ما كنت بتعمل مع بنتنا.. إحنا ناس بنخاف ربنا ونعرف الأصول. شرطنا عشان تشوف ابنك ياسين وتدخل بيتنا وتضمه لحضنك.. إنك ترجع لربك الأول وتصلح نفسك بجد.”
مروان بص له باستغراب ولهفة: “إزاي يا حاج؟ قولي الطريق وأنا همشي فيه.” الحاج صلاح كمل بوضوح: “أولاً.. القرش الحرام اللي دخل جيبك من تلاعبك في شركتك القديمة، أو من أي مكان تاني، ينتهي تماماً. تفضل شغال بشرفك وأمانتك في وظيفتك الحالية أو أي شغل حلال، وترد المظالم لأصحابها. ثانياً.. تعهد رسمي ومكتوب بينا وبينك، إنك لما تيجي تشوف ابنك، تيجي لوحدك، من غير أهلك اللي طمعوا في بيتك وخربوه عليك.. ياسين مش هيتربى في بيئة علمت أبوه الجحود والطمع.
والأهم من ده كله.. إنك تلتزم بنفقة ياسين الشهرية اللي هنحددها بالعدل، مش عشان إحنا محتاجين قرشك.. إحنا الحمد لله في فضل ونعمة والولد ده نكفيه ونكفي بلد بحالها.. لكن عشان تفضل شايل مسؤوليته كراجل، وتحس بقيمة القرش اللي بيطلع عشان ابنك، وتعرف إن الأبوة شقا وتعب ومسؤولية، مش بدلة شيك ومنظرة على الفاضي.” مروان نزلت دموعه بغزارة، وحس إن الشرط ده مكنش عقاب.. ده كان طوق نجاة، فرصة تانية عشان يتحول من شخص طماع وجاحد لراجل بجد يستحق إن ابنه يفخر بيه لما يكبر. وبدون تردد، انحنى مروان ومسك إيد الحاج صلاح وباسها وهو بيقول بنبرة مليانة ندم حقيقي:
“وعد شرف يا حاج صلاح.. قدام ربنا وقدامك وقدام ياسمين.. من النهاردة مروان القديم مات واندفن. هعيش على القرش الحلال، وهشقى عشان تمن نفقة ابني، وهجيله وأنا راجل شريف راسي مرفوعة بشغلي الحلال، مش بالمنظرة الكدابة.” ياسمين بصت له، ولأول مرة ابتسامة خفيفة وراقية ترتسم على وشها، وقفت من ورا مكتبها وقالت بنبرة هادية: “بما إنك قبلت يا مروان وظهرت أصلك الحقيقي اللي تاه منك.. أنا مش همنعك من ابنك. ياسين ملوش ذنب يطلع ميعرفش أبوه.. بس افتكر دايماً، كرامتي وكرامة أهلي خط أحمر، والفرصة دي هي الأولى والأخيرة.”
التفت الحاج صلاح وفتح باب المكتب ونادى بصوته الحنين: “هاتوا ياسين يا ولاد.” دخلت السكرتيرة وهي شايلة ياسين الصغير. أول ما الولد دخل، مروان نزل على ركبه على الأرض وبسط إيديه وهو بيبكي بحرقة ويقول: “تعال يا ياسين.. تعال لحضن أبوك يا ابني.” ياسين بص له ببراءة الأطفال، ومشي بخطواته الصغيرة المترددة لغاية ما وصل لمروان. مروان ضمه لحضنه بكل قوته، ودفن وشه في كتف ابنه الصغير وهو بيستنشق ريحته الطيبة ويبكي بكسرة وندم وفرحة في نفس الوقت.. كأنه بيرجع للدنيا من جديد بعد سنين ضياع.
ياسمين والحاج صلاح كانوا واقفين بيبصوا للمشهد برضا وراحة نفسية.. عرفوا إن حقهم جادلهم تالت ومتلت، وإن الأصول والكرم انتصروا في النهاية على الطمع والجحود. مرت السنوات سريعة كأنها الهوا..
ياسين بقى عنده سبع سنين، كبر وبقى شاطر في مدرسته، وراجل صغير يعتمد عليه. ومروان التزم بوعده تماماً؛ ربنا كرمه واشتغل في وظيفة حسابات محترمة تانية وأمينة، وبقى بيشقى بجد ويصرف على أمه بالمعروف، ويبعت نفقة ياسين أول كل شهر بالقرش والمليم قبل ما يطلبوا. وبقى يجي المنوفية كل أسبوعين، يدخل دوار الحاج صلاح بأدب واحترام، ياخد ابنه في حضنه ويفسحه ويقعد معاه، وياسمين بتعامله بحدود وأدب كأب لابنها ومفيش أي تواصل تاني بينهم.
أما شقة مروان القديمة في المدينة.. ففضلت زي ما هي، بس حماته (أم مروان) ومرات أخوه بقوا يشوفوا ياسمين وصورها في التلفزيون وفي المجلات كأكبر مصدرة للمنتجات الفلاحية في وجه بحري، ويتحسروا على الخير اللي طار من إيديهم بسبب طمعهم وجحودهم، وعرفوا إن اللي يطمع في حق الناس الطيبين.. يعيش العمر كله مكسور وجعان. وياسمين فضلت نوارة المنوفية، واقفة في أرض أبوها، رافعة راسها بالسما، وسندها ابنها ياسين وأبوها الحاج صلاح اللي كان دايماً يطبطب على كتفها ويقولها:
> “يا بنتي.. شجر الأصول بيفضل يطرح خير ليوم الدين.. واللي يزرع كرم، مبيجنيش غير هيبة وكرامة ونصر من عند رب العباد.” > تمت بحمد الله #الكاتب_رومانى_مكرم