بصيت للورقة اللي في إيدي وأنا بترعش، الدموع جفت في عيني وحل مكانها ذهول ورعب من كمية الغل والتربيطات اللي حواليا. نجوى كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها، وعينيها بتلمع بجشع مستني الإشارة عشان ينهش لحم أصحابها القدام. سألتها بصوت مبحوح: “ورقة إيه دي يا نجوى؟ وإيه اللي يخليني أصدقك وأمشي وراكي بعد كل اللي حصلي؟ أنا ميتة أصلاً، ومش باقي عليا حاجة غير الحتة اللحم اللي بتصرخ جوة دي”.
نجوى مالت عليا وقالت بصوت واطي وزي الفحيح: “الورقة دي فيها أصل التقرير الطبي الحقيقي لـ شريف.. شريف مكنش مريض بمرض عادي يا شيماء، شريف من سنتين جاله مرض في عصب العين والاتزان، ومكنش ينفع يطير نهائي.. طليقته زورتله مع دكتور صاحبهم التقارير عشان يفضل يطير ويجيب فلوس، ولما عرفت بنواياه إنه يستقر معاكي، بدأت تجمع أدلة التزوير دي عشان تذله بيها. والورقة التانية اللي معاها؟ دي عقود حسابات بنكية سرية باسم شريف في سويسرا، محول عليها أكتر من نص مليون دولار، طليقته أخدت التوكيل بتاعها وبتسحب منهم دلوقتي في دبي..
يعني شريف مش مسافر يشتغل طيار برة زي ما فهمك، شريف هربان من قض*ية تزوير جنائية لو اتفتحت هيروح فيها هو وطليقته والدكتور!”. سندت راسي على الحيطة وحسيت الصدمة لجمت لساني. شريف.. الراجل اللي كنت بشوفه زي الممثلين، اللي النجوم بتلمع على كتافه وريحة برفانه بتقلب الشارع، طلع مزيف؟ طلع بيهرب ويزور في أرواح الناس اللي بتركب معاه الطيارة عشان الفلوس؟ وطليقته اللي كنت فاكراها غلبانة، طلعت شريكة ومبتزة وبتخطط بالمليم؟!
نجوى كملت وضغطت على إيدي: “بالورق ده، المحامي بتاعنا يقدر يقلب الترابيزة في مصر هنا.. نرفع قض*ية حجر على أمواله، ونثبت التدليس والتزوير اللي تم في قض*ية طلاقك، ونطالب بنفقة دولية للطفل ده من حساباته برة.. هما فاكرين إنهم هربوا وضمنوا الفلوس، بس لو وقعتي على الاتفاق ده معايا، هخليهم يتمنوا رضاكي عشان متسجنيهمش برة وجوة!”. بصيت لابني “شريف الصغير” اللي كان صراخه بدأ يهدى من التعب، ونام ووشه دبلان والدموع معلمة على خدوده البريئة. قولت في سري: “يا رب.. أنا غلطت وأخدت عقابي، بس ابني ملوش ذنب يعيش في الفقر والمرض ده، والفلوس دي حقه وحق علاجه”.
رفعت راسي وبصيت لنجوى وقولت لها بقوة أول مرة أحس بيها من يوم ما اطلقت: “أنا موافقة يا نجوى.. النص بالنص، بس الورق ده يفضل معايا أنا، والمحامي أنا اللي هختاره بنفسي مش تبعك، عشان أضمن إنك متبعين ياش أنا كمان لو طليقته عرضت عليكي قرشين زيادة”. ملامح نجوى اتغيرت للحظة والضيق ظهر على وشها، بس هزت راسها وقالت: “ماشي يا شيماء.. مصلحتنا واحدة دلوقتي. هاتي الورق وتعالي نروح للمحامي الكبير اللي في وسط البلد ونبدأ الإجراءات فوراً قبل ما يسحبوا بقية الفلوس من برة”.
لبست عبايتي وأمي كانت قاعدة تبصلي بخوف وهي مشلولة مش قادرة تتكلم ولا تمنعني، أخدت ابني في حضني وخرجت مع نجوى.. ركبنا التاكسي والدنيا كانت بدأت تليل، وكنت حاسة إن أنا رايحة في طريق ملوش رجوع، طريق كله تماسيح وديابة بياكلوا في بعض، وأنا بقيت واحدة منهم غصب عني عشان أحمي ابني.
وصلنا مكتب المحامي، ونجوى بدأت تطلع الورق وتشرح له السيرة من الأول.. المحامي لابس نظارته وفضل يقرأ الورق بتمعن شديد، وشه بدأ يتغير وكل شوية يبصلي ويبص للورق.. وفجأة، قلع النظارة ورماها على المكتب وبص لنجوى وبصلي وقال بنبرة صدمتني وصدمت نجوى لدرجة إننا وقفنا من على الكراسي: “الكلام ده خطير جداً.. بس في مصيبة تانية أنتوا مش واخدين بالكم منها في الورق ده.. المصيبة دي لو اتعرفت، مش بس شريف وطليقته اللي هيروحوا في داهية.. أنتي كمان يا مدام شيماء، وابنك ده، حياتكم هتبقى في خطر حقيقي من اللحظة دي..”!
المحامي كان باصص للورق وعينيه متثبتة على سطر معين، وأنا ونجوى كنا واقفين بننهج وبنبص لبعض والرعب رجع ينبض في عروقنا من تاني. نجوى قربت من مكتبه وقالت بصوت متوتر: “مصيبة إيه يا متر؟ الورق ملوش علاقة بشيماء، دي تقارير وحسابات شريف وطليقته!”.
المحامي رفع عينه وبصلي بنظرة شفقة غريبة، وقال: “الحسابات السويسرية دي يا مدام شيماء.. مش باسم شريف لوحده، ولا طليقته سحبتها باسمها.. الحسابات دي تم تأسيسها تلت سنين فاتوا، يعني في نفس الشهر اللي أنتي اتجوزتي فيه شريف! والتوكيل اللي معمول لسحب الفلوس، معمول باسم شركة وهمية لتجارة الأدوية والمستلزمات الطبية برة مصر.. وعارفة مين اللي مسجل كـ شريك رئيسي وصاحب حق التوقيع في الشركة دي هنا في مصر؟”. بلعت ريقي بصعوبة وقولت: “مين؟ شريف؟”.
المحامي هز راسه بالرفض وقال: “لأ.. باسمك أنتي! يا مدام شيماء، شريف وطليقته مكانوش بس بيزوروا تقارير طيران.. شريف كان بيهرب سبائك دهب ومبالغ ضخمة لشبكة تهريب دولية مستغلاً وظيفته كطيار، وحط اسمك أنتي في واجهة الشركة الوهمية دي بعقد مصدق ومزور فيه إمضاكِ وبصمتك من تلت سنين! طليقته لما كشفت اللعبة، مهددتوش عشان الفلوس بس.. هي هددته إنها هتبلغ عن الشبكة دي كلها لو مأخدتش نصيبها وسافرت برة.. وشريف هرب عشان الشبكة دي بدأت تدور وراه بعد ما الفلوس اللي في سويسرا اتجمدت من يومين بسبب تحقيقات دولية!”.
وقعت على الكرسي والواد صرخ في حضني كأنه حاسس بنبضات قلبي اللي كانت زي الطبل. نجوى اتراجعت لورا ووشها جاب ألوان، وقالت وهي بتبعد عني: “أنا ماليش دعوة.. أنا كنت فاكراها قض*ية نفقة وتزوير عادية! أنا برة الموضوع ده!”.
المحامي زعق فيها وقال: “اقعدي هنا! مفيش حد برة الموضوع.. الورق ده لو خرج من المكتب ده، أصحاب الشبكة دي -وهما ناس واصلة وتقيلة جداً- لو عرفوا إن الورق ده مع حد أو إن شيماء معاها مستندات الحسابات، مش هيستنوا القانون يحاسبها.. هما هيخلصوا عليها وعلى ابنها في ثانية عشان يدفنوا السر! شريف وطليقته مهربوش من القانون بس.. هما هربانين من ديابة بياكلوا لحم حي!”.