أحمد وعيلته كانوا فاكرين إن مريم مغفلة ونايمة على ودنها ومابتفهمش في لغة البيزنس بتاعهم، مش عارفين إنها بحكم شغلها معاهم كاستشاري في كذا مشروع الفترة الأخيرة، حطت إيدها على بلاوي سودا وكوارث في ورق تراخيص الأراضي اللي بيبنوا عليها الكومباوند الجديد بتاعهم في مدينة 6 أكتوبر. مخالفات صارخة في الرسوم الهندسية، استخدام مواد بناء حديد وأسمنت مغشوش وغير مطابق للمواصفات القياسية عشان يوفروا مئات الملايين في جيبهم، وتزوير عيني في إمضاءات وأختام مهندسين استشاريين كبار ونقابييين بدون علمهم.
مريم فضلت صاحية لحد خيوط الشمس ما طلعت، بتجمع المستندات والأدلة الدامغة، وبترتب الصور والملفات الفنية والتقارير الهندسة الهامة اللي بتثبت الفساد ده كله بالدليل الذي لا يقبل الشك. كتبت إيميل رسمي طويل وصيغته قانونية بحرفية، وضمت فيه كل الفضائح والمستندات دي، وبعتته لثلاث جهات سيادية ورقابية في نفس اللحظة: هيئة الرقابة الإدارية، نقابة المهندسين المصرية، ووزارة الإسكان. وكمان بعتت نسخة كاملة لصحفي زميل قديم لها شغال في جريدة تحقيق استقصائي ونفوذها واسع.
قالت لنفسها بابتسامة نصر وهي بتقفل اللاب توب وتشد الستارة: – “انتوا كنتوا عايزين شقتي الصغيره عشان صحة وعافية الحاجة إلهام؟ أنا بقى هاخد منكم الشركة، والاسم، والسمعة، والفلوس، وهخلي صحتكم كلكم تروح ورا القضبان.” بعد يومين بالظبط، الخبر نزل في المنشيتات الرئيسية للجرايد والمواقع الإخبارية زي الصاعقة اللي ملهاش صد: “القبض على رجل الأعمال عاصم السيوفي ونجله الأصغر بتهمة الفساد المالي، وتزوير تراخيص بناء، وتشكيل خطر داهم على حياة المواطنين، وإيقاف أعمال كومباوند أكتوبر بالكامل”.
الكومباوند الجديد اللي كانوا بيبنوه في أكتوبر وبايعين فيه شقق بالمليارات للناس ولأهالي بره وجوه مصر، صدر قرار فوري بوقف البناء فيه تماماً، وتحويل الملف بأكمله بكل حذافيره للنيابة العسكرية. أسهم مجموعة عيلة السيوفي في البورصة انهارت في سياق ساعات معدودة وبقت في الأرض، والبنوك بدأت تتحرك فوراً وتحجز على حساباتهم وأرصدتهم في كل الفروع عشان تضمن قروضها اللي بمئات الملايين. في نفس الوقت، كان أحمد لسه لابس البدلة البيضا بتاعة الحبس الاحتياطي في حجز القسم، متبهدل وسط المساجين ومستني جلسة التجديد، ودخل عليه محاميه وهو وشه خطف وجايب مية ودم وعلامات الهزيمة مغرقاه.
أحمد زعق فيه بعصبية وصوت مرعوب: – “إيه يا متر؟ أنت فين كل ده؟ وأبويا فين؟ مخرجنيش ليه لحد دلوقتي من الزفت ده؟” المحامي قعد على الكرسي الخشب المأشر وحط إيده على راسه بقلة حيلة وقال بصوت مكسور وخافت: – “أبوك وأخوك الصغير اتقبض عليهم ومحبوسين في سجن طرة يا أحمد.. النيابة الرقابية قلبت الدنيا فوق تحت، والشركة أعلنت إفلاسها وتقفيلها تقريباً. كل البلاوي والكوارث دي طلعت من ملفات وتقارير هندسية متسربة بدقة.. مفيش غيرها هي اللي تملك المستندات دي.. مريم.”
أحمد حس بضربة شديدة في قلبه، كأن الطبق الصيني اللي رماه عليها بكل غله رد في صدره هو وكسر ضلوعه: – “مريم؟ مريم هي اللي عملت كل ده في عيلة السيوفي؟” المحامي بصلة بشفقة وقال له: – “مريم دمرت عيلتكم بالكامل ونسفت إمبراطوريتكم يا أحمد.. ومقدمة ضدك في المحكمة قضية خلع، ورفعت دعوى تعويض مدني بـ 5 مليون جنيه عن الأضرار الجسدية والنفسية والتشويه، ومستندة على حكم جنح الضرب اللي هتاخده الأسبوع الجاي والتقرير الطبي الموثق.. أنتوا كنتوا فاكرينها لقمة طرية هتبلعوها وتسرقوها، وطلعتوا بتلعبوا مع قنبلة موقوتة فرقعت في وشكم كلكم.”
بعد شهرين.. كان الجو خريف في القاهرة، الشمس دافية والهوا نضيف وبيحمل نسمة برودة مريحة. مريم كانت قاعدة في كافيه شيك وراقي في الزمالك، مطل على النيل، بتشرب قهوتها المفضلة في سكون تام وضهرها مفرود، ومفيش على راسها غير علامة صغيرة جداً مكان الغرز دبلت واختفت تقريباً. رصيدها في البنك زاد أضعاف بعد ما كسبت قضايا كتير والتعويضات ضد أحمد، وبقت بتدير مكتب هندسي مستقل خاص بيها لوحدها باسمها، وشغلها وعملائها زادوا بشكل غير مسبوق بعد ما السوق العقاري كله عرف إنها الست المهندسة اللي وقفت بطلولها ضد عيلة السيوفي وهدت إمبراطوريتهم الفاسدة لما فكروا يجوا على حقها.
مريم حطت فنجان القهوة على الترابيزة بهدوء وبصت للموبايل بتاعها لما رن بنغمة عالية برقم مش متسجل في قائمة الأسماء عندها. فتحت الخط وقالت بنبرة هادية وتلاجة: – “ألو؟” صوت مكسور، عاجز، وباكي ومنهار بالكامل طلع من السماعة: – “مريم.. أنا إلهام.” مريم ما اتفاجئتش ولا حركت رمش، رجعت ضهرها لورا على الكرسي المريح وقالت بكل برود الدنيا: – “أهلاً يا إلهام هانم. خير؟”
إلهام بدأت تعيط بنشيج وعبرات تقطع القلب من الذل والكسرة: – “أرجوكي يا بنتي.. ارحمينا.. أحمد خد حكم نهائي بسنة سجن مع الشغل والنفاذ، وعاصم وابني الصغير في السجن وضاعوا، والفيلا الكبيرة بتاعة التجمع الخامس اتمسكت عليها الديون وهتتباع في المزاد العلني الأسبوع الجاي.. إحنا اترميبنا في الشارع يا مريم ومبقاش حيلتنا مليم.. أنا قاعدة دلوقتي في أوضة وصالة بالإيجار في منطقة عشوائية وتعبانة.. وصحتي مش حمل الهدد والذل ده يا مريم.. أرجوكي ارحمي كبريائي وتنازلي عن القضايا وباقي التعويض.. إحنا خلاص اتهدينا ومبقاش فينا حيل.”
مريم سمعت نشيجها وبكاها اللي كان مالي الصالون زمان بالفرعنة، وبصت للنيل البعيد، وافتكرت اللحظة اللي طار فيها الطبق والدم اللي سايح والضحك المزيف والكمين اللي اتعمل لها عشان يسرقوها ويذلوها.
مريم ردت بصوت ثابت، هادي، وقاتل: – “أوضة وصالة بالإيجار؟ طب ما ده بالظبط العرض والحل اللي انتوا كنتوا بتعرضوه عليا من شهرين في فيلتكم وسط الـ 18 بني آدم يا إلهام هانم.. انتي نسيتي؟ مش انتي اللي قلتي صحتك مابقتش حمل هدد وعايزة شقتي؟ أهو ربنا استجاب ليكي وادّاكي الأوضة والصالة اللي تناسب صحتك.. والدم اللي انتوا استخصرتوا تمسحوه عن وشي زمان، هو اللي مسح اسمكم من السوق الليلة دي.. العدل حلو، والبيوت اللي بتتبني على كسر القلوب والسرقة، ربنا بيهدها فوق دماغ أصحابها.. سلام يا إلهام هانم.”