**تفتكري بعد كل اللي حصل ده، إيه أكبر تحدي ممكن يواجهك في تربية ولادك بعد ما عرفوا حقيقة اللي حصل لعيلتهم؟**
الخبطات على باب بيت أهلي كانت متلاحقة وعنيفة، لدرجة إني اتجمدت في مكاني. ولادي في الأوضة التانية بيعيطوا من الخوف، وأنا واقفة في الصالة، ماسكة الموبايل في إيدي، وشاشة البث المباشر لسه منورة، والتعليقات بتجري زي النهر؛ ناس بتشتم، وناس بتدعي، وناس بتسأل: “إنتي فين؟”.
فتحت الباب، لقيتهم ضباط شرطة بوجوه خشبية.
— مدام “هبة”؟ معانا أمر استدعاء جديد للشهادة في قض..ية “الشبكة الدولية”، وجوزك تم نقله للمستشفى في حالة حرجة، ومحتاجين أقوالك فوراً.
نزلت السلالم وأنا حاسة إني ماشية في حلم وحش. الشوارع كانت مليانة “تكاتك” وعربيات شرطة، والناس في الشارع بتبص لي بنظرات غريبة.. نظرة شفقة مخلوطة بفضول. أنا اللي كنت ست بيت عادية، بوزن اللحمة وبحسب ميزانية المكرونة، بقيت “تريند” على السوشيال ميديا، والقصة بتاعتي بقت حديث القهاوي في كل حتة.
في المستشفى، الريحة كانت ريحة طهارة ونفس مطهر، ريحة بتمحي ذكريات “المطبخ” اللي حماتي كانت بتسممهولي. دخلت أوضة العناية المركزة. جوزي كان ممدد، خراطيم في كل حتة، ووشه اللي كان يوم من الأيام “حبيبي” بقى غريب، بارد، ومنهك.
بصيت له وبصيت للراجل اللي كان بيحاول يمثل دور الضحية، والراجل اللي باعني عشان يغطي على قذارة أمه.
— ليه يا “أحمد”؟ قلتها بصوت واطي ومبحوح. — كان ممكن نعيش عيشة بسيطة، ناكل عيش وجبنة ونبقى راضيين، ليه اخترت الطريق اللي بيودي في داهية؟
فتح عينه ببطء، بص لي، وشفايفه اتحركت بصعوبة:
— أمي.. هي اللي.. هي اللي كانت بتدير.. أنا كنت مجرد.. أداة.
ضحكت بمرارة وقعدت على الكرسي جنبه:
— الأداة بتختار يا أحمد هي هتقطع إيه.. إنت اخترت تقطع مستقبلي ومستقبل عيالك.
خرجت من الأوضة، لقيت المحامي بتاعي مستنيني.
— يا مدام هبة، الوضع اتغير. حماتك اعترفت بكل حاجة، بس قلبت الترابيزة عليكي تاني. بتقول إنك كنتِ عارفة من البداية، وإن “اللحمة” اللي كنتِ بتديهالها كانت مجرد “عمولة” ليكي عشان تسكتي وتغطي عليهم.
بصيت للمحامي بذهول:
— إيه الكلام الفارغ ده؟ أنا اللي بلغت! أنا اللي قدمت الدفاتر!
— هي بتلعب على وتر “الزوجة اللي بتنتقم من جوزها”، وبتحاول تصورك أمام المحكمة إنك ست غدارة استغلت فرصة عشان تخلص من عيلة جوزها وتورثهم. قضيتنا بقت صعبة، ولازم نلاقي دليل يثبت إنك كنتِ “ضحية” مش “شريكة”.
رجعت البيت وأنا حاسة إن الأرض بتتميد بيا.
لقيت بيت أهلي محاصر بصحفيين. دخلت من الباب الخلفي، رميت نفسي على السر,,ـــــير، وكنت عايزة أصرخ بس صوتي كان مسجون جوايا.
فتحت شنطة جوزي اللي كنت خدتها من العربية المهجورة في اللحظة الأخيرة قبل ما الشرطة توصل. قلبت في ورقها، لقيت ظرف مقفول بالشمع الأحمر، مكتوب عليه بخط إيد “أبو جوزي” اللي مات. فتحته، كان فيه “وصية”.. بس مش وصية ورث، دي كانت “فضيحة”.
الورقة دي كانت بتحكي قصة أقدم بكتير.
حكاية إن جوزي مش بس ابن حماتي، جوزي كان “طفل متبني” من دار أيتام، وإن أبو جوزي كان عارف بكل بلاوي مراته وقرر يكتب الحقيقة دي قبل ما يمــ,,ـــــوت، بس هي اللي كانت بتتحكم في كل مليم وبتهدده بيه.
لقيت كمان أرقام حسابات في بنوك بره مصر، وأسماء شركات وهمية متسجلة باسم “سعاد” -حماتي- من سنين طويلة. دي مش مجرد ست بتخزن لحمة، دي “زعيمة عصابة” متمرسة.
قررت أعمل حاجة واحدة.. هروح أواجهها في القسم.
دخلت غرفة الزيارة، كانت قاعدة ورا القزاز، شعرها منكوش، ونظراتها مكسورة، بس لسه فيها لمعة الشر.
— جيتي يا “بنت الناس”؟
قالتها وهي بتضحك. — فاكرة إن الورق اللي معاكي ده هيخلصك؟ أنا عندي محامين يقلبوا الحق باطل.
قربت من القزاز، وبصيت في عينيها مباشرة:
— الورق اللي معايا مش بس هيدينك، الورق اللي معايا هيكشف حقيقتك اللي كنتِ بتخبيها ورا “كيس اللحمة”. أنا عارفة إن أحمد مش ابنك.. وعارفة إنك بتستغليه من يوم ما كان عيل صغير.
وشها اتجمد. القناع اللي كانت لبساه وقع تماماً.
— أنتي.. عرفتي منين؟
— الوصية اللي سابها جوزك. الراجل اللي كنتِ بتذليه سنين، ساب وراه “قنبلة” هتهد كل اللي بنيتيه.
أنا مش هدافع عن نفسي بس، أنا هحفر قبــ,,ـــــرك اللي هتدفــ,,ـــــني فيه كل ذكريات الرعب اللي عشتها في بيتكم.
خرجت من القسم وأنا حاسة إني بدأت أحسس على طريق الخلاص. بس الطريق لسه فيه عقبة كبيرة.. الولاد.
رجعت لولادي، كان وشهم دبلان. قعدت معاهم، ضمتهم، وقلت لهم:
— أنا عارفة إنكم خايفين. بس يا حبايبي، ماما قوية، وماما هتحميكم. إحنا مش هنعيش في رعب تاني، إحنا هنبني حياة جديدة، بعيد عن كل الناس اللي عايزة تأذينا.