منوعات

حماتي كانت تاخد مني كيس لحمة ج2 حكـايات بسمة

وقفت قدام باب النيابة، ولادي في إيدي، والجو بره كان بيمطر مطر خفيف بيحاول يغسل وشوش الشوارع من القرف اللي شفته. كنت حاسة بتقل في قلبي، بس في نفس الوقت، كان فيه خيط رفيع من الراحة بدأ يتربط جوايا. سلمت الفلاشة والأوراق، وخرجت من المبنى وأنا عارفة إن “الزلزال” بدأ خلاص يضــ,,ـــــرب أساساتهم.
ركبت تاكسي، وطلبت منه يوصلني لبيت أهلي في منطقة تانية خالص بعيدة عن كل الذكريات دي. كنت محتاجة مكان آمن، مكان مافيهوش ريحة حماتي أو نبرة صوت جوزي الماكرة. طول الطريق، ولادي كانوا نايمين على كتفي، كنت ببص عليهم وأنا بأكد لنفسي ألف مرة: “أنا عملت الصح..

أنا حررتهم من اسم أبوهوم اللي بقى مرتبط بالعار”.
وصلت بيت أبويا، خبطت. فتحت لي أمي، وشي كان شاحب وعيوني وارمة من قلة النوم والضغط. بمجرد ما شافتني شافت ولادي، وقعت الشنطة من إيدها وخدتني في حــ,,ـــــضنها. ما سألتش.. كانت عارفة إن فيه مصيبة حصلت، وعارفة إن بنتها ما بتهربش من بيتها إلا لو البيت بقى جحيم.
قعدت في غرفتي القديمة، الغرفة اللي عشت فيها أحلامي البسيطة قبل ما أتجوز وأدخل دوامة “عيلة جوزي”. بدأت أرتب أفكاري. الفلاشة اللي قدمتها كانت بس “البداية”.

كان فيه أسرار تانية، أسرار دفــ,,ـــــنتها حماتي في “الخزنة القديمة” اللي فتحتها، أسرار تخص ناس كتير غيري.
فجأة، الموبايل رن. كان رقم غريب. رديت بصوت خايف:
— ألو؟
— إنتي فاكرة إن اللعبة انتهت؟ صوت حماتي كان جاي من التليفون، نبرته كانت مزيج من الغضب والتهديد. — جوزي.. قصدي جوزك.. كلم الناس اللي إنتي هددتيهم. فاكرة إنك لما تروحي النيابة هما هيسكتوا؟ دول ناس مش بتهزر، ولو الفلاشة دي ظهرت، ولادك مش هيكونوا في أمان أبداً.
ضحكت بسخرية وقالت:
— إنتي بتهدديني؟ إنتي فاكرة إني لسه “الست الساذجة” اللي بتصدق إن الدكتور مانعك من الفراخ؟

يا طنط، اللي خسر كل حاجة ما عادش عنده حاجة يخاف عليها. ولادي أمانة في رقبتي، وأنا هحميهم، حتى لو اضطريت أحــ,,ـــــرق الأخضر واليابس.
قفلت السكة في وشها قبل ما ترد. قلبي كان بيدق بعنــ,,ـــــف، بس كان إيقاع قوة، مش ضعف.
تاني يوم، النيابة بدأت تستدعي أطراف القض..ية. جوزي اختفى تماماً، كأنه فص ملح وداب. حماتي كانت بتتردد على مكاتب المحامين، وكنت بشوفها من بعيد وهي بتمسح عرقها وتتكلم بعصبية. بس الأهم من ده كله، إن القض..ية أخدت أبعاد تانية خالص. النيابة اكتشفت إن المحل اللي كان باسمي ده كان “واجهة” لأكبر شبكة لتوزيع لحوم فاسدة في المنطقة.

المفاجأة كانت إن فيه “قائمة” طلعت من الموبايل بتاع جوزي، فيها أسماء ناس مهمين كانوا بيشتروا من المحل ده.. مش عشان الجودة، بس عشان الأسعار الرخيصة اللي كانت بتخبي وراها صفقات مشبوهة.
كنت قاعدة مع المحامي اللي عينتهولي نقابة المحامين عشان قض..ية “التزوير” اللي هما رفعوها ضدي، وبدأنا نجهز خطة الدفاع.
— مدام، القض..ية دي بقت قض..ية رأي عام، قال لي المحامي. — لو قدرنا نثبت إن توقيعك اتزور في كل العقود، وإن حماتك وجوزك كانوا بيستغلوا جهلك ببعض الإجراءات، هنخرج براءة. بس لازم نعرف، ليه جوزك هرب؟ وليه حماتك لسه بتهدد؟
قلتله:

— لأنهم خايفين من “الدفتر الأسود”.
— دفتر إيه؟
طلعت من شنطتي دفتر صغير كان موجود في الخزنة. — الدفتر ده فيه كل مليم دخل المحل وكل مليم خرج، ومين اللي كان بياخد العمولات. الدفتر ده مش بس بيدينهم في قض..ية اللحمة، ده بيدينهم في قضايا غسيل أموال. جوزي مش بس قمارجي، جوزي كان “مغسل” أموال لشبكات تانية.
المحامي فتح عينيه بذهول:
— إنتي كنتِ عايشة مع مين يا مدام؟
قلت بمرارة:
— كنت عايشة مع “شيطان” بوش ملاك.
أيام المحاكمة كانت زي الجحيم.

كنت بقف قدام القاضي، وبشوف في عينين حماتي نظرات حقد عمري ما شفتها. في إحدى الجلسات، جوزي ظهر. كان باين عليه التعب، وكأنه هربان من كابوس. بص لي، وما قدرش يواجه عيني.
كان القاضي بيسأل عن أصل التوقيع، وفجأة، قامت حماتي وصرخت:
— هي اللي كانت بتدير كل حاجة! هي اللي كانت بتخطط، هي اللي كانت بتسرق!
النيابة قدمت شهادة من “عامل” كان شغال في المخزن، عامل كان جوزي وجوزها بيهددوه، بس لما عرف إن القض..ية كبرت، قرر يقلب الطاولة عليهم.

قال إن “اللحمة” كانت بتدخل المخزن من غير رقابة صحية، وإن حماتي كانت بتشرف على “تزوير الأوراق” جوه البيت.
الحياة بقت صعبة. بقيت مطاردة من ناس ما أعرفهمش، ناس كانوا شغالين مع جوزي. بقيت بغير مكاني كل يومين، ولادي مش بيروحوا المدرسة، وعيشتنا بقت في خوف دائم. بس كان عندي “حلم” واحد.. حلم إن العدالة تاخد مجراها، وإني أرجع أعيش في سلام مع ولادي.
في يوم، كنت خارجة من جلسة محاكمة، لقيت عربية سودة واقفة قدام المحكمة. نزل منها راجل لابس بدلة غالية، وبص لي وقال:
— مدام، جوزك عايز يقابلك.
— مش هقابله، قلت بصرامة.

— لو ما قابلتيهوش، “الدفتر” اللي معاكي مش هيكون كفاية عشان يخرجك من الدوامة دي. هو عنده معلومات عن “الطرف التالت” في القض..ية.. الطرف اللي بجد هيأذيكي.
ترددت. كان قلبي بيقولي “لا”، بس عقلي كان بيقول “لازم أعرف”. مشيت وراه، ركبت العربية، واتحركنا لمكان مهجور بره المدينة.
لما وصلنا، دخلت لمبنى قديم. جوزي كان قاعد، وشكله كان مبهدل، وكأنه عجزان عشر سنين. لما شافني، قام ببطء.
— ليه عملتي كده؟ قال بصوت خافت.
— عملت إيه؟ كشفت حقيقتك؟ ولا وقفت في وشك لما قررتوا تضيعوا حياتي؟
— أنتي مش فاهمة.. كنت بحاول أحميكي.
— تحميني؟

إنت كنت بتحميني من إيه؟ من إنك تعيشني في الحرام؟ ولا من إنك تلبسني قض..ية؟
قرب مني وقال:
— الناس اللي أنا شغال معاهم.. مش بس بيتاجروا في اللحمة. دول بيتاجروا في كل حاجة.. السلا*ح، المخدــ,,ـــــرات، البشر. لما بدأت أتورط، حاولت أخرج، بس هما مسكوني من إيدي اللي بتوجعني.. إنتي والولاد. أمي كانت فاكرة إننا لو عملنا المحل ده، هنقدر نلم فلوس ونمشي، بس الأمور فلتت مننا.
بصيت له بصدمة:
— يعني اللحمة كانت مجرد غطاء؟
— كانت البداية.. بس بعدين بقت الطريقة اللي بنغسل بيها أموالهم. أنا كنت غبي، وأمي كانت طماعة، وإنتي..

إنتي كنتِ الضحية اللي اخترناها عشان نغطي على كل شيء.
بصيت له بحقد:
— وإيه المطلوب مني دلوقت؟
— سلميني الدفتر.. سلميني الفلاشة. أنا هروح النيابة، هعترف بكل حاجة، بس لازم أضمن إنك تطلعي بعيدة عن الحكاية دي.
ضحكت بمرارة:
— إنت فاكر إني هصدقك مرة تانية؟ الدفتر ده هو “حياتي” دلوقتي. هو الضمان الوحيد إني أخرج من الق..ضية دي من غير ما أتأذي.
— لو ما سلمتيهمش، هيصفوكي يا مدام.. هيصفوكي إنتي والولاد.
في اللحظة دي، سمعت صوت تكسير إزاز. كان فيه حد ورانا. جوزي اتخض، وبص وراه.
— هرب!

قال جوزي وهو بيحاول يشدني عشان نجري.
بدأنا نجري في المبنى المهجور، والضــ,,ـــــرب بدأ ينهال علينا. كنت حاسة إني في فيلم رعب، بس ده كان الواقع. جريت بكل قوتي، وكنت حاضنة شنطتي اللي فيها كل الأدلة. جوزي كان بيحاول يغطي عليا، وفجأة، سمعت صوت طلقة نــ,,ـــــارية.
وقفت، بصيت ورايا. جوزي كان واقع على الأرض، وأمه كانت واقفة بعيد، ومعاها راجل غريب.
— أنتي! صرخت. — إنتي اللي كنتِ بتديري كل ده؟ إنتي اللي كنتِ بتوجهي الناس دي؟
حماتي كانت واقفة ببرود، وبتبص لجوزي اللي كان بيحاول يتنفس.
— كان لازم يخلص، قالته ببرود.

— كان نقطة ضعف.
بصتلي وقالت:
— الدفتر.. دلوقتي.
كنت واقفة في نص المبنى، محاصرة. المطر كان بيدخل من السقف المكسور، وصوت الرعد كان بيغطي على صرخي. حسيت إني وصلت لنقطة “اللاعودة”. إما إني أسلم الدفتر وأعيش في ذل، أو إني أواجه المــ,,ـــــوت وأنا معايا “الحقيقة”.
طلعت الموبايل، وكنت فاتحة “بث مباشر” من لحظة ما ركبت العربية. كنت عارفة إن فيه حد بيراقبني، وكنت عارفة إن الصحفي اللي بعتله النسخة قبل كده كان مستني أي إشارة.
— كل الناس بتشوفك دلوقت يا طنط، قلت بابتسامة باهتة.

— كل اعترافاتك، وكل اللي عملتيه، متسجل وبيتبت حالاً للنيابة وللرأي العام.
وشها اتغير، وبدأت ملامح الرعب تظهر عليها لأول مرة. الراجل اللي كان معاها بص للموبايل، وبدأ يهرب.
أنا وقفت مكاني، وبصيت لحماتي اللي كانت بتبص حواليها وكأنها فقدت كل شيء. المــ,,ـــــوت كان قريب، بس “الحقيقة” كانت أقرب.
قعدت جنب جوزي اللي كان بيحتضر.
— سامحيني.. قال بصوت واطي.
— مفيش مسامحة يا جوزي، قلت بدموع. — فيه بس عدالة.
سيبته ومشيت ناحية المخرج، والشرطة كانت بدأت توصل للمكان. حماتي كانت واقفة، والكلاب البوليسية بتحاوطها.

اللحظة اللي كنت مستنياها وصلت، بس الثمن كان غالي جداً.
رجعت لولادي اللي كانوا مستنيين في مكان آمن. ضمتهم لحــ,,ـــــضني، وبدأت أبكي. مش دموع حزن، ولا دموع خوف، بس دموع “بداية جديدة”.
بس الحكاية لسه ما انتهتش.. لسه فيه فصول تانية للوجع، ولسه فيه قضايا تانية هتفتح، ولسه فيه “دفاتر” تانية هتتكشف.
بصيت للسما، وقلت: “يا رب، أنا عملت اللي عليا.. دلوقتي، الباقي عليك”.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى