منوعات

السر خلف الباب حكايات اسما السيد 4

الفصل العاشر: القاعة المغلقة صدـ,,ـــر صوت معدني هائل داخل النفق. صوت جعل الأرض نفسها تهتز تحت أقدامنا. استدرنا جميعًا نحو الباب. وكان يتحرك. ببطء. لكنه لا يتوقف. الباب الفولاذي الضخم الذي استغرق فتحه دقائق كاملة بدأ يغلق من تلقاء نفسه. صرخ أحد رجال الأمن: “ابعدوا عن المدخل!” وركض رجلان نحوه بسرعة. حاولا تثبيت الباب. لكن الأمر كان مستحيلًا. وزنه هائل. وقوته أكبر من أي محاولة لإيقافه. أما فؤاد… فبدا وكأنه يعرف ما يحدث. شحب وجهه أكثر.

وهمس: “النظام اشتغل.” نظر إليه عمر. “نظام إيه؟” قال فؤاد: “نظام الحماية.” ثم التفت نحونا. وقال بسرعة: “أبواب القاعة دي اتصممت من زمان.” “لو حصل اختراق.” “أو محاولة سرقة.” “المكان كله بيتقفل تلقائي.” شعرت بانقباض في صدـ,,ـــري. “وبيفتح إزاي؟” ساد الصمت للحظة. ثم قال: “من غرفة التحكم.” سأل سيف بسرعة: “وفين غرفة التحكم؟” نظر فؤاد إلى عمق القاعة. ثم قال: “في آخر الممر.” وفي اللحظة نفسها… أُغلق الباب بالكامل. دوى صوت الارتطام في المكان. وتردد صداه بين الجدران.

ثم عمّ الصمت. صمت ثقيل. خانق. أخرج أحد رجال الأمن جهاز الاتصال. وحاول التواصل مع الخارج. لكن لا شيء. أعاد المحاولة. مرة. ومرتين. وثلاثًا. ثم نظر إلينا. وقال: “الإشارة مقطوعة.” بدأ القلق يظهر على الجميع. حتى عمر نفسه. لكن ما لفت انتباهي لم يكن الباب. بل شيء آخر. على إحدى الشاشات القديمة الموجودة في القاعة. ظهر ضوء أخضر صغير. ثم شاشة سوداء. ثم سطر واحد من الكتابة. “تم تفعيل البروتوكول الأخير.” تجمد فؤاد. اقتربت منه.

“يعني إيه؟” لم يجب. فقط ظل يحدق في الشاشة. ثم همس: “مستحيل.” شعرت بالخوف يتضاعف. لأن فؤاد كان الرجل الوحيد الذي يعرف المكان. وإذا كان هو نفسه خائفًا… فهذا يعني أن الأمر أخطر مما نتخيل. قال عمر بحدة: “اتكلم.” رفع فؤاد رأسه ببطء. وقال: “البروتوكول الأخير كان مجرد فكرة.” “ماكنش المفروض يتنفذ.” “يعني إيه؟” تنهد. ثم قال: “لو الأرشيف وقع في الأيدي الغلط…” “كان فيه نظام احتياطي.” “إيه هو؟” أغلق عينيه للحظة. ثم أجاب: “يمسح كل حاجة.”

ساد الصمت. نظرت إلى الخزائن. إلى الملفات. إلى الأدلة. إلى الحقيقة التي طاردها الجميع عشرين سنة. ثم سألت: “يمسحها إزاي؟” رد بصوت خافت: “يحــ,,ـــــرقها.” في اللحظة نفسها… انطلقت صفارة إنذار داخل القاعة. صوت حاد. مزعج. متواصل. ثم بدأت الأضواء الحمراء تدور في السقف. وظهرت رسالة جديدة على الشاشة. “باقي 60 دقيقة على التطهير الكامل.” شعرت بأنفاسي تتسارع. ساعة واحدة فقط. ساعة واحدة قبل أن تختفي كل الأدلة. كل الأسرار. كل الحقيقة. قال عمر فورًا: “فين غرفة التحكم؟”

أشار فؤاد إلى ممر جانبي طويل. مظلــ,,ـــــم. “هناك.” ثم أضاف جملة أربكتنا جميعًا: “لكن الوصول لها مش سهل.” سأله سيف: “ليه؟” نظر نحو نهاية الممر. وقال: “لأن المكان ده ماكانش مجرد أرشيف.” “أمال كان إيه؟” ابتلع ريقه. ثم أجاب: “كان ملجأ.” “ملجأ من مين؟”
ساد الصمت لثوانٍ. ثم قال: “من الناس اللي كانوا مستعدين يقت-*لوا عشان الأسرار دي.” وفي اللحظة نفسها… وصلنا صوت غريب. صوت خطوات. بعيد جدًا. في آخر الممر. لكن المؤكد… أنها لم تكن خطوات أي شخص من الموجودين معنا.

توقف الجميع عن الكلام. واستمعنا. خطوة. ثم أخرى. ثم ثالثة. تقترب ببطء. من عمق الظلام. أما فؤاد… فنظر نحو الممر. وشعرت أن الدم اختفى من وجهه بالكامل. ثم همس باسم واحد فقط: “مستحيل…” “هو.”الفصل الحادي عشر: الرجل الذي لا يمكن أن يكون هنا ساد الصمت داخل القاعة. حتى صفارة الإنذار بدت بعيدة للحظة. الجميع كان ينظر نحو الممر المظلــ,,ـــــم. نحو مصدـ,,ـــر الخطوات. خطوة… ثم أخرى… ثم أخرى… بطيئة. منتظمة. كأن صاحبها لا يخشى أحدًا. أمسك أحد رجال الأمن سلاحه.

ورفعه نحو الظلام. بينما اقترب سيف من أمه. ووقفت ياسمين بجانبي. أما عمر… فكان يحدق في نهاية الممر دون أن يرمش. قلت لفؤاد: “مين؟” لم يجب. لكنني رأيت الرعب في عينيه. رعبًا لم أره حتى عندما ظهر عادل. ولا عندما بدأ العد التنازلي. ثم خرجت هيئة رجل من الظلام. في البداية كان مجرد ظل. ثم بدأت ملامحه تظهر تدريجيًا تحت الضوء الأحمر. رجل طويل. شعره رمادي. يرتدي معطفًا داكنًا. ويمشي بهدوء شديد. وفجأة… توقفت أنفاسي.

لأنني رأيت وجهه. ورأيت فؤاد يتراجع خطوة إلى الخلف. ورأيت عمر يشحب وجهه. أما سيف فبدا غير مستوعب. لأن الرجل كان يشبه شخصًا رأيناه قبل دقائق فقط. يشبه أبي. لكن أكبر سنًا. وأقسى. وأشد برودة. همست دون وعي: “مين ده؟” توقف الرجل على بعد عدة أمتار منا. ثم نظر إليّ مباشرة. وقال: “كبرتي يا ليلى.” شعرت وكأن الأرض اختفت من تحتي. لأنه لم يكن يتحدث كشخص غريب. كان يتحدث كشخص يعرفني. ويعرف اسمي. ويعرفني منذ زمن طويل.

صرخت: “إنت مين؟” نظر نحوي طويلًا. ثم قال: “اسمي نبيل.” تجمد فؤاد. أما عمر فتمتم: “مستحيل…” التفت إليه الرجل. وقال: “لسه بتقول الكلمة دي من عشرين سنة يا عمر.” شعرت بأن الموقف يزداد غرابة. ثم قال فؤاد بصوت خافت: “كنت فاكرك مت.” ابتسم نبيل. ابتسامة باردة جدًا. وقال: “وأنا كنت فاكر إنك أذكى من كده.” ساد الصمت. ثم اقترب خطوة أخرى. وقال: “واضح إن الأسرار بدأت تطلع كلها.” أشرت إليه بعصبية. “حد يفهمني!” نظر إليّ.

ثم إلى الصورة الموجودة على المكتب. الصورة التي ظهر فيها أبي. وفؤاد. وعادل. والرجل الرابع. وأشار إلى الرجل الرابع. ثم قال: “ده أخويا.” شعرت بأن قلبي توقف. “إيه؟” قال بهدوء: “والدك يا ليلى.” ثم أشار إلى نفسه. “وأنا عمه.” ساد الصمت. حتى صفارة الإنذار اختفت من وعيي. لم أعد أسمع شيئًا. كنت أحدق فيه فقط. غير قادرة على استيعاب ما يقوله. عمي؟ طوال حياتي لم يخبرني أحد أن لأبي أخًا. ولا مرة. ولا حتى في الصور القديمة.

ولا في أي ذكرى. كأن الرجل لم يكن موجودًا أصلًا. قال نبيل: “أبوك تعمد يمحي أي أثر ليا.” “ليه؟” نظر إلى فؤاد. ثم أجاب: “عشان كنا مختلفين.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى