منوعات

دياب وفاتن ملك إبراهيم 2

الجزء الأخير الكاتبة ملك إبراهيم سليم قرب، وعينه لقطت المشهد كله في ثانية: أخته حاضنة بنت منهارة، شنطة قماش على الأرض، والمنظر كله غلط. صوته طلع هادي بس فيه نبرة آمر متعود عليها: “ساندي. إيه اللي بيحصل؟”   ساندي بعدت عن فاتن شوية بس فضلت ماسكة إيدها اللي بتترعش: “سليم، البنت دي كانت معانا على الطيارة. جوزها… سابها في المطار ومشي. طلقها. وهي ما تعرفش حد هنا ولا بتتكلم كلمة إنجليزي.”  

عين سليم نزلت على فاتن اللي كانت مدكنة وشها في الأرض من الذل. شاف الهدوم البسيطة، الإيد المتشققة، والرعشة اللي مش راضية تقف. شاف كسرة متكسرش غير اللي جربها. ما سألش كتير. بص للبودي جارد وأشار براسه إشارة خفيفة ناحية شنطة فاتن.   الحارس شال الشنطة بهدوء. سليم بص لفاتن وقال بنبرة حاسمة، بس ناشفة من غير قسوة: “مفيش حد بيفضل في الشارع. اركبي.”   فاتن شهقت ورفعت راسها بخوف. صوتها كان يادوب مسموع: “أركب… فين؟ أنا… أنا ما عرفكوش.”

  ساندي ضغطت على إيدها وطمنتها: “هتركبي معايا أنا. هتيجي البيت عندنا الليلة دي. بكرة الصبح نشوف هنعمل إيه. ماتخافيش، إنتِ في أمان. أوعدك.”   الكرامة كانت بتاكل في فاتن. عايزة تقول “لا” وتقعد في الشارع ولا إنها تتمد لإيد غريب. بس صوت العقل جواها صرخ: والشارع؟ والليل؟ والبرد؟ هتنامي فين؟ بصت في عين ساندي، لقيت صدق. وبصت لسليم، ملامحه جامدة بس مش بتاعة واحد مؤذي.   هزت راسها بضعف، وسندت على ساندي وهي بتقوم. رجلها كانت بتخونها. البودي جارد فتح لها باب المايباخ. ريحتها ريحة جلد غالية ونضيفة، عكس ريحة الخوف اللي لازقة فيها.

  قعدت جنب ساندي اللي خدتها في حضنها تاني. سليم ركب قدام جنب السواق، وبدون ما يبص وراه قال كلمة واحدة: “Home.”   العربيات اتحركت بسلاسة، وسابت وراها نور مطار جون كينيدي. وسابت وراه كمان دياب الهلالي، اللي كان فاكر إنه قطع آخر حبل بيشدّه للوراء، وهو ما يعرفش إن الحبل ده كان مربوط في كنز رماه بإيده.   فاتن سندت راسها على الإزاز البارد. الدموع وقفت، بس الكسرة لسه مالية قلبها. بس لأول مرة من ساعة ما دياب سابها… حست إن البرد مبقاش واصل للعضم. حست إن فيه سقف، ولو مؤقت، ولو بتاع ناس غريبة.

—   الفصل الرابع:   بعد مرور سنة   برج إزاز في قلب مانهاتن، الدور الـ 50. قاعة اجتماعات صامتة إلا من صوت التكييف المركزي. طرابيزة خشب غالية، وشاشات بتعرض منحنيات أرباح بالملايين. الوفد الأمريكي قاعد ببدل غامقة، والمترجم قاعد على جنب… بس محدش احتاجه.   الباب اتفتح بدون صوت، ودخلت بنت بخطوات محسوبة. صوت الكعب الواطي بيرن بثقة على الرخام. تايير أسود محتشم، متفصل بالمللي، وطرحة ستان كحلي ملفوفة بعملية من غير زينة زيادة. وشها هادي، بس العين فيها حزم وتركيز ما كانوش موجودين زمان.

  دي فاتن. بس مش فاتن اللي ساندي لقيتها واقفة متجمدة قدام المطار. عدت بنظرة سريعة على الحضور، وابتسمت ابتسامة شغل، وقعدت على يمين الكرسي الكبير… كرسي سليم الصياد. الكل وقف نص وقفة احترام قبل ما تقعد. سنة واحدة كانت كفاية تتحول من “الحالة اللي سليم لقطها من الشارع” لـ “فاتن الهلالي، مديرة مكتب الرئيس التنفيذي”.  

سليم قاعد على راس الطرابيزة، بدلته الرمادي وملامحه الثابتة زي ما هي. بس أول ما عينه جات عليها، حاجة نورت فيها ثانية واختفت. سنة كاملة وهو شايف التحول ده… من واحدة بترتعش وهي بتقول “Yes” للويتر، لواحدة بتقفل صفقات بملايين. كورسات لغة وإدارة، سهر للفجر، ومكتبها اللي مبيتقفلش نوره. مكنتش بتثبت له حاجة… كانت بتنتقم من كسرة المطار، بالشغل.  

الاجتماع بدأ. الـ CEO الأمريكي بيشرح البنود بسرعة. فاتن ميلت على المايك، وردت عليه بإنجليزي واضح، هادي، من غير لكنة أجنبية واضحة. ناقشته في بند رقم 14، وطلعت غلطة في الأرقام بتاعة السنة اللي فاتت. هو سكت ثانية، وبص لورقه، وبعدها هز راسه بإعجاب حقيقي: “Mr. Sayad, your Chief of Staff is brilliant.” سليم ساند ضهره لورا، وعينه ما اتحركتش من على فاتن. قال بنبرة حيادية، بس كل اللي في الأوضة فهمها: “She’s not my Chief of Staff. She’s my right hand.”

  فاتن ما اتهزتش. بس صوابعها ضغطت على القلم ثانية. كملت في النقطة اللي بعدها كأنها ما سمعتش.   وفجأة… تليفون سليم اللي على الطرابيزة نوّر. “Sandy – Calling”. كان على الوضع الصامت دايماً في الاجتماعات، بس الاسم ده بيكسر كل القواعد.   سليم رفع صباعه إشارة “ثانية واحدة” للوفد، ورد من غير ما يقوم: “ساندي؟”   الصوت اللي جاله كان سريع ومهزوز، بس متماسك بالعافية: “سليم… أنا في Mount Sinai. حادثة صغيرة، العربية اتخبطت من الجنب. أنا كويسة، بس ركبتي… ركبتي وارمة ومش عارفة أدوس عليها. الإسعاف جابني. ممكن… ممكن تيجي؟”

  ملامح سليم اتجمدت. القلق عدى على وشه زي سحابة صيف. قفل الخط، وقام وقف. الحركة كانت هادية، بس الكرسي الجلد اتحرك وراه نص متر. “Meeting’s adjourned. My office will reschedule.”   الوفد اتفاجئ، بس وش سليم مكنش فيه مساحة للنقاش. بص لفاتن بنظرة واحدة بس، نبرة أمر مختصرة: “معايا.”   فاتن ما سألتش. في ثانيتين كانت قفلت اللاب توب، لمت الفايل، وقامت وراه. هي الوحيدة في الشركة اللي حافظة الفرق بين “سليم متضايق” و “سليم في مصيبة”. ودي كانت مصيبة.

  الأسانسير الخاص نازل بسرعة. وش سليم حجر. فاتن واقفة جنبه، لأول مرة من سنة تشوفه مش متحكم 100%. من غير ما تحسبها، رفعت إيدها ولمست دراعه لمسة سريعة، زي ما كانت بتعمل لساندي زمان. صوتها كان واطي بس ثابت: “هي قالت إنها كويسة. حادثة بسيطة، سليم. ساندي قوية.”   سليم ما اتكلمش. بس بص للإيد اللي على دراعه ثانية، والشد اللي في فكه هدي سنة. هز راسه هزة خفيفة وما شالش إيدها.  

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى