منوعات

ج4 حكايات زهرة الربيع

بصيت لنجوى اللي كانت بترتعش، وبصيت للورق اللي بقيت شيفاه كأنه قنبلة موقوتة هتدمر اللي باقي من حياتي وحياة ابني. قولت للمحامي بصوت منهار وعياط مكتوم: “يعني إيه يا متر؟ يعني أنا هتحبس؟ أو هتموت؟ أنا والله ما أعرف حاجة عن الشركات دي! أنا كنت مغمية عيني ومش شايفة غير شريف وبس.. أنا ضيعت نفسي وبضيع ابني معايا!”.

المحامي لّم الورق بسرعة وحطه في الخزنة وراه وقال بقلق: “الورق ده هيفضل هنا في حرز مقفول.. ومحدش ينطق بكلمة برة الأوضة دي. الحل الوحيد قدامنا دلوقتي إننا نلعب على الهادي.. شريف وطليقته حالياً في دبي، والشبكة لسه بتدور عليهم هما الأول ومش عارفين مكانهم.. لو قدرنا نوصل لشريف عن طريق جهة أمنية في مصر هنا ونقدم بلاغ رسمي كـ ‘شاهد ملك’ ونثبت إن إمضاكِ مزورة قبل ما هما يوصلولك، ممكن ننجى برقبتك ونضمن لقمة عيش لابنك.. بس اللعبة دي محتاجة وقت، ومحتاجة إنك تختفي تماماً الكام يوم الجايين دول.. متقعديش في بيتك القديم ولا دقيقة واحدة!”.

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، نجوى جرت وسابتني في وسط الشارع من غير ما تنطق بكلمة.. الخوف عمى عينيها هي كمان. وقفت في نص البلد، بالليل، الهوا كان ساقع بس جسمي كله كان بيغلي.. ابني في حضني عمال يئن من الوجع، وأنا مبقاش ليا مكان أروح فيه.. بيتي مراقب، وشريف باعني وباع ابنه وبقى مطرود من ديابة، وأنا بقيت في وش المدفع!

أخدت تاكسي ورجعت لبيت أمي وأنا بترعش، دخلت الشقة وكنت بلم حاجتي وحاجة الواد بسرعة وأنا بقول لأمي المذعورة: “لازم نمشي من هنا يا أمي.. لازم نستخبى في أي مكان، الحكاية طلعت أكبر من شريف ومن طليقته.. إحنا في خطر!”. وفجأة.. وأنا بلم الهدوم في الشنطة.. النور قطع في الشقة كلها! السكون بقى مرعب، ومسمعتش غير صوت خطوات تقيلة وغريبة بتتحرك برة في الممر، ووقفت بالظبط.. قدام باب شقتنا!

حضنت ابني بكل قوتي، وحطيت إيدي على بق أمي عشان متصرخش.. والباب بدأ يتخبط عليه تلات خبطات ورا بعض، خبطات قوية ومنتظمة.. وصوت راجل غريب من ورا الباب قال بنبرة هادية وبترعب: “افتحي يا مدام شيماء.. الكابتن شريف بيمسي عليكي، وجايبلك الأمانة اللي سيبتيها مع المحامي”! النفس قطع جوايا، والضلمة حوّلت الشقة لقبر مقفول علينا. أمي كانت بتترعش تحت إيدي، وابني “شريف الصغير” وزي ما يكون حس برعب اللحظة، سكت تماماً وكتم أنينه في حضني. الخبطات على الباب رجعت تاني.. تلات خبطات ورا بعض، بنفس الهدوء المرعب والانتظام اللي يقطع الخلف.

الصوت من ورا الباب رجع يتكلم، بس المرة دي كان أقرب، كأنه حاطط بقه في خرم الباب: “أنا عارف إنك جوة يا مدام شيماء، وسامع نفسِك.. افتحي بالذوق وبلاش نعمل شوشرة في الحتة، الأمانة لازم تستلميها يد بيد”. كنت بين خيارين؛ إما أموت من الرعب وأستنى الباب يتكسر علينا، أو أقف على رجلي عشان الحتة اللحم اللي متعلقة في رقبتي. شيلت إيدي من على بق أمي وهمست في ودها: “ادخلي الأوضة جوة واقفلي على نفسك.. متخرجيش مهما حصل”. زقيت أمي بالراحة، وأخدت نفسي، وقربت من الباب وأنا حاطة ابني على دراعي الشمال، وإيدي اليمين بترتعش على الترباس.

  سألت بصوت حاولت أخليه قوي بس كان مخنوق: “أمانة إيه؟ ومين الكابتن شريف ده؟ أنا معرفش حد بالاسم ده، والبيت ملوش رجالة.. امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الشارع!”.

الراجل ورا الباب ضحك ضحكة واطية، ضحكة خلت شعري يقف، وقال: “تلمي الشارع؟ الشارع كله نايم يا مدام، والبواب تحت نايم نومة مش هيصحى منها قبل بكره العصر.. افتحي، المحامي بتاعك باعك في أول محطة عشان يشتري روحه، والورق اللي كان في الخزنة بقى في جيبنا.. افتحي عشان نخلص”.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. المحامي باعني! الورق اللي كان المفروض يحميني بقى معاهم! في اللحظة دي، عرفت إن مفيش مفر، وإن شريف وطليقته والشبكة دي مش هيسيبوني أعيش. الشيطان اللي كان بيحرّكني زمان عشان أخرب بيت جارتي وأسرق جوزها، اختفى، وحل محله غريزة أم بتدافع عن ابنها العاجز. لمحت في الضلمة، على الترابيزة اللي جمب الباب، مقص حديد كبير بتاع أمي.. مديت إيدي وأخدته بالراحة واستخبيته ورا ضهر ابني. فتحت القفل، ونزلت الترباس، وفتحت الباب مواربة.

الضوء الضعيف اللي جاي من السلم نور وش الراجل.. كان طويل، لابس قميص أسود، وعينيه باردة زي عيون التماسيح، مفيش فيها أي رحمة. أول ما الباب اتفتح، زقه بركبته ودخل الشقة، وقفل الباب وراه بظهره. بص للواد اللي في حضني بنظرة قرف، وطلع من جيبه ظرف أسود كبير، ورماه على الترابيزة.

وقال بنبرة خالية من أي مشاعر: “دي أمانتك.. عقود الشركة الوهمية اللي إمضاكِ عليها، وشيكات على بياض ببصمتك.. الشبكة قررت تقفل الملف ده خالص. شريف وطليقته اتجابوا من دبي من تلت ساعات، وحالياً بيتحقق معاهم في مكان ملوش عنوان.. والدور عليكي، بس إحنا مبنوسخش إيدينا بدم حريم وعيال صغيرة”.

بصيت له برعب وقولت: “أمال.. أمال عايز مني إيه؟”.

طلع من جيبه التاني علبة دواء صغيرة، وحطها جمب الظرف وقال: “العلبة دي فيها حبوب.. هتاخدي منها شريط، وتدوبي حباية واحدة في بق الواد ده.. الصبح الجيران هيلاقوكم ميتين من الغاز أو سكتة قلبية بسبب الحزن على طلاقك.. وبكده السر يموت معاكم، ومحدش هيدور ورا واحدة مطرودة ومفلسة انتحرت هي وابنها”.

النار قادت في دمي.. يبيدوني أنا وابني؟ يقتلوا الحتة اللحم دي عشان يداروا على وساختهم ووساخة شريف؟! بصيت للعلبة، وبصيت لوشه البارد، وقولتله بصوت هادي وعينيا بتلمع بدموع القهر: “ماشي.. بس خليني أبوس ابني لآخر مرة”.

الراجل هز راسه بملل وبص الناحية التانية كأنه مستعجل.. وفي جزء من الثانية، وبكل قوة وحقد وندم تراكموا في قلبي على مدار تلت سنين، رفعت إيدي بالمقص الحديد وغرسته بكل عزمي في رقبته!

الراجل برّق عينيه بذهول، مكنش متوقع إن واحدة مكسورة ومطلقة تعمل كده.. طلع صوت حشرجة من زوره، وحاول يمد إيده عشان يخنقني، بس أنا زقيته بكل قوتي.. وقع على الأرض وهو بينازع والدم بيسيل منه بغزارة في ضلمة الصالة.

مستنتش ثانية واحدة.. صرخت في أمي: “أمييي! هاتي الشنطة واجري!”. أمي خرجت بتترعش، أخدت الشنطة، وفتحنا الباب وجرينا على السلم زي المجانين، بنعدي من فوق البواب اللي كان مغمي عليه في المدخل زي ما الراجل قال.

خرجنا للشارع والوقت كان متأخر، فضلت أجري وأجري وأنا شايسة ابني على كتفي لحد ما وصلنا للموقف.. ركبنا أول عربية ميكروباص متجهة للصعيد.. لـ “أسيوط”.. مسقط رأسي، المكان اللي كان لازم مسبهوش من الأول. عدت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة كاملة وإحنا عايشين في بيت طين صغير في أطراف قرية معزولة في أسيوط، بأسماء مزيفة، وشكل متغير.. قصيت شعري، وبقيت بشتغل في البيوت والأراضي عشان أأكل أمي وأجيب علاج ابني.

شريف الكبير وطليقته؟ عرفت من الأخبار بعد شهور إنهم اتمسكوا في قض*ية تهريب كبرى وتزوير جنائي، وأخدوا أحكام بالسجن المؤبد، وكل ثروتهم وفلوسهم بره وجوه اتصادرت.. البيوت اللي اتبنت على الظلم، اتهدت فوق دماغ أصحابها في الآخر، وشريف اللي باعني وباع ابنه، بقوا الحيطان الأربعة هما كل دنيته. أما أنا.. فقاعدة دلوقتي في ضل حيطة الطين، وبصالي “شريف الصغير” اللي بدأ يقعد على الأرض ويتحرك ببطء بعد رحلة علاج طويلة باللي كنت بكسبه من عرق جبيني.. عاجز اه، بس عايش في حضني.

ببص للسما والدموع في عيني.. خسرت شريف، وخسرت الفلوس، وخسرت حياتي القديمة كلها.. ودوقت الكسرة والفقر والخوف أضعاف اللي عملته في غيري.. بس وأنا ببص لوش ابني البريء، بعرف إن ربنا رحمني بالوجع ده عشان يفوقني، وإن العقاب الحقيقي مكنش الموت.. العقاب الحقيقي كان إني أعيش وأفتكر كل يوم.. إن اللي يزرع شوك، مستحيل يحصد ورد.  

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى