الفصل السادس: الخائن ارتجت الجدران بقوة عندما أُغلق الباب الحديدي. وانطفأت إحدى المصابيح القديمة في السقف. فغرق نصف الغرفة في الظلام. قفز سيف نحو الباب وهو يصرخ: “افتح الباب!” وضــ,,ـــــرب الحديد بقبــ,,ـــــضته بعنــ,,ـــــف. لكن لم يأتِ أي رد. أما أمه فكانت تبكي بصمت. وياسمين التصقت بالحائط وهي ترتجف. بينما ظل عمر واقفًا مكانه. هادئًا بشكل غريب. كأنه كان يتوقع ما حدث. صرخت فيه: “مين؟!” نظر إليّ. “إيه؟” “مين الخائن؟” تنهد طويلًا. ثم جلس على صندوق خشبي قديم.
وقال: “عادل.” ساد الصمت. الرجل العجوز. الشريك القديم. صاحب الوجه الهادئ. والكلام المنطقي. هو الخائن؟ قال سيف بصدمة: “مستحيل.” ابتسم عمر بسخرية. “لسه بتثق في الناس بسهولة زي زمان.” ثم التفت نحونا. “أبويا عرف الحقيقة قبل اختفائه بشهور.” “عرف إن عادل بيبيع معلومات الشركاء.” “وبيستولى على شركاتهم بالتدريج.” “وبيزوّر العقود.” “ولما أبويا اكتشفه…” صمت لحظة. “…قرر يوثق كل حاجة.” وأشار إلى الملفات داخل الصندوق. أمسكت إحدى الأوراق. وبدأت أقرأ. كل صفحة كانت تحمل توقيعات. وحسابات.
ومعاملات مالية. وأسماء شركات. وكلها تشير إلى شخص واحد. عادل. كانت الأدلة واضحة بشكل لا يقبل الشك. قال عمر: “عشان كده حاول يق*تل أبويا.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. “إذن الدــ,,ـــــادث…” هز رأسه. “ماكانش دــ,,ـــــادث.” بدأت الصورة تكتمل. فؤاد اختفى. عمر نجا. عادل ظل يطارد السر. وسيف عاش نصف عمره وهو يصدق الأكاذيب. لكن سؤالًا بقي بلا إجابة. كيف خرج عادل؟ وكيف حبسنا هنا؟ اقترب عمر من أحد الجدران. وأزاح رفًا خشبيًا قديمًا. فظهر خلفه تجويف صغير.
ومن داخله أخرج مصباحًا يدويًا ومفتاحًا آخر. نظر إليه سيف بدهشة. “كنت عارف؟” أجاب عمر: “عشت خمس سنين جوه البيت ده.” “أعرفه أكتر من أي حد.” ثم سار نحو نهاية الغرفة. وأشار إلى الحائط الخلفي. كان يبدو عاديًا. لكن عندما ضغط حجرًا معينًا… صدـ,,ـــر صوت احتكاك خافت. وبدأ جزء من الجدار يتحرك. كاشفًا عن نفق ضيق. شهقت ياسمين. أما أنا فشعرت أنني لم أعد أندهش من شيء. قال عمر: “أبويا بناه زمان.” “في حالة احتاج يهرب.”
دخلنا النفق. واحدًا تلو الآخر. كان ضيقًا ومظلــ,,ـــــمًا. ورائحته تراب ورطوبة. استغرق السير بداخله قرابة عشر دقائق. لكن في النهاية… ظهر ضوء خافت. وخرجنا إلى مكان لم أتوقعه. كنا داخل مخزن قديم خلف الفيلا. مكان مهجور. مليء بالأثاث المغطى بالأقمشة. لكن الشيء الذي لفت انتباهنا فورًا… كان الأصوات. أصوات سيارات. كثيرة. قادمة من الخارج. اقتربنا من نافذة صغيرة. ونظرنا. فتجمدنا جميعًا. لأن ساحة الفيلا كانت ممتلئة بالسيارات السوداء. وعشرات الرجال. وكان عادل يقف بينهم. يعطي أوامر للجميع.
قال عمر بهدوء: “لقي الصندوق.” “بس ما لقاش الملفات كلها.” نظرت إليه. “إزاي؟” ابتسم لأول مرة. ثم رفع حقيبة جلدية سوداء كان يحملها طوال الوقت. ولم أنتبه إليها. وقال: “لأن النسخ الأصلية هنا.” شعرت أن الأمل عاد قليلًا. إذا كانت الأدلة الحقيقية معنا… فيمكن كشف الحقيقة. لكن عمر لم يبدُ مرتاحًا. بل كان ينظر إلى الفيلا بقلق. سألته: “في إيه؟” أجاب: “عادل مش هيستسلم.” “هو قضى عشرين سنة يدور على الملفات دي.” “ومش هيسيبنا نخرج بيها.”
وفجأة… رن هاتف سيف. نظر إلى الشاشة. ثم شحب وجهه. “مين؟” أجاب بصوت منخفض: “رقم خاص.” رد. ووضع الهاتف على السماعة. وفي اللحظة التالية سمعنا صوت عادل. هادئًا. باردًا. كأنه يجلس معنا في الغرفة. قال: “أهلاً يا عمر.” ساد الصمت. ثم أكمل: “كنت عارف إنك هتهرب.” نظر عمر إلى الهاتف دون أن يتكلم. فابتسم عادل عبر الخط. وقال: “بس للأسف… تأخرت.” شعرت بانقباض في معدتي. “تأخر في إيه؟” لكن الإجابة جاءت بعد ثانية واحدة. عندما دوى انفجار هائل في الخارج.
اهتزت الأرض تحت أقدامنا. وتحطم زجاج المخزن. وسقطت ياسمين على الأرض صارخة. ركضنا إلى النافذة. ونظرنا نحو الفيلا. ثم تجمدت أنفاسنا. لأن جزءًا كاملًا من المبنى كان ينهار وسط الدخان والنيران. وكانت الغرفة السرية… التي احتوت الصندوق… قد اختفت بالكامل. وكأن أحدًا أراد محو كل أثر للحقيقة. لكن عمر لم يكن ينظر إلى الحــ,,ـــــريق. بل كان ينظر إلى شيء آخر. شيء جعل وجهه يفقد لونه فجأة. تتبعت نظره. ثم شعرت بالرعب. لأن إحدى السيارات السوداء بدأت تتجه مباشرة نحو المخزن…
وعلى المقعد الخلفي كان يجلس رجل. رجل ظن الجميع أنه مات منذ عشرين عامًا. والد سيف وعمر. فؤاد الحديدي. حيًا. بالفعل. وليس مجرد ذكرى أو تسجيل صوتي. يتبع… الفصل السادس: الخائن ارتجت الجدران بقوة عندما أُغلق الباب الحديدي. وانطفأت إحدى المصابيح القديمة في السقف. فغرق نصف الغرفة في الظلام. قفز سيف نحو الباب وهو يصرخ: “افتح الباب!” وضــ,,ـــــرب الحديد بقبــ,,ـــــضته بعنــ,,ـــــف. لكن لم يأتِ أي رد. أما أمه فكانت تبكي بصمت. وياسمين التصقت بالحائط وهي ترتجف.
بينما ظل عمر واقفًا مكانه. هادئًا بشكل غريب. كأنه كان يتوقع ما حدث. صرخت فيه: “مين؟!” نظر إليّ. “إيه؟” “مين الخائن؟” تنهد طويلًا. ثم جلس على صندوق خشبي قديم. وقال: “عادل.” ساد الصمت. الرجل العجوز. الشريك القديم. صاحب الوجه الهادئ. والكلام المنطقي. هو الخائن؟ قال سيف بصدمة: “مستحيل.” ابتسم عمر بسخرية. “لسه بتثق في الناس بسهولة زي زمان.” ثم التفت نحونا.