دلف الثلاثة إلى داخل البيت الكبير بخطوات واثقة، تتبعهم حراسة شخصية خفيفة تحمل الهدايا والمظاريف. نزل زوجي كريم مسرعًا من الشقة بعد أن رأى المشهد من البلكونة، ووقف مذهولاً يرحب بهم وهو لا يصدق أن هؤلاء العمالقة هم أقارب زوجته رشا. استقبلتهم حماتي بملامح مخطوفة، وقد تلاشت ضحكتها الساخرة وحلت محلها نظرات الخوف والارتباك، في حين وقفت سلوى مذهولة تنظر إلى ملابسهم وساعاتهم الفاخرة التي تساوي ثمن شقتها بأكملها.
جلس أولاد خالتي في الصدر، وبدأ طارق الحديث بنبرة قوية ملأت القاعة هيبة: “أهلاً يا حاج كريم، مبروك الزواج. إحنا عاتبين على رشا ومامتها لأنهم ما بلغوناش بميعاد الفرح، رشا مش مجرد بنت خال، دي ابنة الغالي، ولحمها لحمنا، والظاهر إن انشغالنا بإدارة شركاتنا وسفرنا برة مصر خلا البعض يفتكر إن مالهاش ضهر.. بس إحنا جينا النهاردة عشان نقوم بالواجب اللي فاتنا ونعرف الكل مكانة رشا عندنا.”
أشار طارق بيده، فتقدم أحد الحراس ووضع أمام رشا علبة قطيفة فاخرة. فتحها طارق ليتلألأ في وسط القاعة طقم ذهب عيار 24 مرصع بالألماس الحر، صُنع خصيصًا لها، وقال: “دي هدية بسيطة من أخوكِ الكبير طارق.” ثم تقدم عاصم ووضع علبة أخرى تحتوي على غوايش ذهبية ثقيلة من أرقى التصاميم وقال: “وده ذهب من أخوكِ عاصم.” وتلاهما ماجد الذي قدم علبة قطيفة ثالثة بها كوليه ذهبي مرصع يتلألأ يخطف الأبصار وقال: “وده من أخوكِ ماجد.. عشان تعرفي إن قيمتك عندنا أغلى من الذهب نفسه.”
كانت حماتي تبتلع ريقها بصعوبة، وعيناها تكاد تخرجان من جحرهما وهي ترى أكوام الذهب والألماس التي تخطت بمراحل كل ما تملكه سلوى وعائلتها. أما سلوى، فقد اصفرّ وجهها ونكست رأسها أرضًا، وبدأت تخفي يديها تحت عباءتها خجلاً من ذهبها الذي بات يبدو ضئيلاً وبسيطًا أمام هذا البريق الطاغي.
ولم ينتهِ المشهد عند هذا الحد؛ إذ أخرج طارق من جيب حلته مغلفًا مغلقًا سميكًا، وضعه في يد رشا وأمام أعين الجميع قائلاً بصوت واثق سُمع في كل ركن من أركان البيت: “ودي بقى يا رشا نقطة الأخوات.. مية ألف جنيه كاش، عشان تجيبي كل اللي ناقصك وتجددي أي حاجة مش عاجباكي، وإحنا كلمنا أكبر شركات الديكور في القاهرة وهيجوا الأسبوع الجاي يقلبوا شقتك قصر، وأي جهاز أو سجاد أو خشب في شقتك مش عاجب حد هنا، يتشال ويترمى في الشارع، وهيجي مكانه مستورد من إيطاليا على حسابنا.”
التفت طارق نحو حماتي الحاجة فاطمة، التي كانت ترتجف في مكانها، وقال بابتسامة تحمل كل معاني التحدي: “منورة يا حاجة.. يظهر إننا ما اتقابلناش قبل كدة، بس أعتقد دلوقتي الأصول والواجب وصلوا لبيتكم، ورشا بنتنا وجهازها ونقطتها بقوا يشرفوا أي حد في مصر كلها، ولا إيه رأيك؟” ساد الصمت أرجاء الصالة، ولم تقو الحامية ولا سلفتها على نطق حرف واحد، بينما كان زوجي كريم ينظر إليّ بنظرة فخر واعتزاز، وشعرت أنا في تلك اللحظة بالكرامة وعزة النفس التي عادت لترفرف فوق رأسي بعد أسابيع من المذلة والكسر.
