منوعات

اتطلقت من سنه رومانى مكرم

“صوتك ما يعلاش في البيت ده، والبط واللحمة اللي هيجيبهم أبوكي بكرة، هاخدهم ورجلك فوق رقبتك، وهانزل بيهم لأمي ومرات أخويا، ورجليكي مش هتعتب الشارع ده، والباب مقفول عليكي لحد ما تولدي وتجيبي الولد.. فاهمة ولا مش فاهمة؟” ياسمين حطت إيدها على خدها اللي بيوجعها، وبصت للراجل اللي اختارته وصانته، وحست فجأة بطعنة في قلبها. مكنتش خايفة منه، كانت خايفة على ابنها اللي في بطنها، وخايفة على كبرياء أبوها الحاج صلاح اللي لو عرف باللي بيحصل ده ممكن يجرى له حاجة. سكتت تماماً، ومسحت دموعها ودخلت أوضتها وقفلت الباب عليها وهي بتعيط بحرقة وتدعي ربنا يعدي الليلة دي على خير.

تاني يوم الصبح، الشمس طلعت باهتة وباردة. ياسمين صحت على صوت الباب بيخبط. جرت تفتح، لقت أبوها الحاج صلاح وأمها واقفين على الباب، ووشوشهم منورة بالضحكة والرضا، ووراهم شايلين أكياس وشنط مليانة من خيرات ربنا. أبوها دخل وباس راسها وقال: “صباح الخير يا نوارة عيلتنا، عاملة إيه يا بنتي؟ وإيه أخبار الحفيد اللي مستنيينه؟” أمها دخلت وبدأت ترص الحاجة وهي بتقول: “جبنالك الفراخ والبط اللي بتحبيه يا ياسمين، وأبوكي دبح عجل وخدنا نصيبنا وجبنالك أحسن حتة فيه ليكِ ولجوزك عشان تتغدوا وتغذوا النونو.”

ياسمين كانت بتبتسم بالعافية، وعينها بتروح على أوضة النوم اللي مقفولة. مروان مخرجش كالعادة، تظاهر بالنوم ومحبش حتى يرمي السلام. الحاج صلاح لاحظ غيابه، وبص لبنته بشك وسألها: “هو مروان نايم برضه يا بنتي؟ ده إحنا بقينا الضهر!” ياسمين بلعت ريقها وصوتها مخنوق: “آه يا بابا.. تعبان شوية من الشغل.” أبوها سكت، وحس بقلبه إن في حاجة مش طبيعية. نظرات بنته المكسورة، وتجنبها إنها تبص في عينه، ووشها اللي باين عليه الإرهاق والحزن، كل دي علامات الفلاح الذكي ميفوتهاش.

بعد ساعتين، الحاج صلاح وقف وقال لمراته: “يلا بينا يا أم ياسمين نمشي عشان نسيب مروان يرتاح وياسمين تشوف بيتها.” ياسمين ودعتهم بالدموع وحضنت أبوها بقوة كأنها بتستغيث بيه من غير ما تتكلم. الحاج صلاح طبطب على ضهرها وهمس في ودنها: “جمدي قلبك يا بنتي.. أبوكي في ضهرك وعمره ما هيرضى بكسرتك.” بمجرد ما قفلوا باب الشقة، الباب التاني اتفتح. خرج مروان وعينه بتلمع بالطمع والجوع. جرى علطول على المطبخ يفرز الأكياس. “الله.. الله! عجل بحاله؟ ده إنتوا طلعتوا بتفهموا أهو.. هاتي الأكياس دي كلها يا ياسمين!”

بدأ يلم في اللحمة الكبيرة، والبط، وحطهم في كيس أسود كبير وهو بيقول بانتصار: “أنا نازل لأمي وأخويا أفرّحهم بالخير ده. قولي لأبوكي المرة الجاية يجيب معاه شكارة رز فلاحي من اللي عنده في المخزن عشان البيت هنا محتاج!” ياسمين وقفت وكتفت إيديها وبصت له بنظرة قرف واحتقار خلت مروان يستغرب قوتها المفاجئة. قالت له بنبرة هادية بس مرعبة: “انزل يا مروان.. انزل باللحمة والبط لأمك ومرات أخوك، شبعهم من خير الفلاحين المغفلين. بس افتكر كويس.. اللي بياكل مال الناس بالباطل ويستغل طيبتهم، ربنا بياخد منه غالي قوي.”

مروان ضحك باستهزاء وهو بيشيل الكيس التقيل: “بقينا بنقول حكم ومواعظ كمان؟ خليكي في خيبتك يا بنت الفلاحين، ورجوعي هشوف حساب التصنت بتاع امبارح ده.” نزل مروان وهو فرحان بالصيد اللي صاده. ياسمين مدخلتش تعيط المرة دي. دخلت أوضتها، لمت كل لبسها ولبس النونو اللي لسه مجاش في شنطة واحدة. قعدت على السرير ومسكت تليفونها، وكتبت رسالة واحدة لأبوها: “يا بابا، أنا محتاجاك ترجع تاخدني.. مروان مطلعش ابن ناس، ومروان مطلعش بيصون. أنا مستنياك على السلم.”

في نفس الوقت تحت في شقة حماتها، كان مروان قاعد وسط أمه ومرات أخوه، حاطين اللحمة والبط على الطربيزة والضحكة مالية وشوشهم. أمه قالت بنبرة حقد: “والله وطلع وراهم فايدة الفلاحين دول.. بكره لما ياسمين تولد، خليهم يجيبوا دهب للمولود، هما أطيان وعندهم فلوس بالكوم!” مرات أخوه ضحكت وقالت: “آه والله يا مروان، البيت اتملى خير من ورا زيارات أبوها.. خليهم يجيبوا علطول.” مروان كان بياكل حتة فاكهة وهو حاطط رجل على رجل وقال بكل غرور:

“متلقوش هم يا جماعة، أنا ممشيها على العجين متلخبطوش.. كل ما أهلها يجوا، هبهدلهم وهما هيجيبوا أكتر عشان يرضوني.. دول ناس غلابة وبيخافوا على زعل بنتهم.” لكن فرحة مروان مكملتش.. فجأة، سمعوا برة في الشارع صوت كلاكيت عربيات كتير، وصوت رجالة فلاحين جِديين وصوتهم قوي وهما بينادوا في الشارع بصوت عالي: “يا ياسمين! يا بنت الحاج صلاح! انزلي يا بنتي أبوكي واقف تحت الشباك!”

مروان اتنفض من مكانه، وبص من الشباك وشه اتخطف تماماً.. الشارع الضيق كان واقف فيه تلات عربيات نص نقل مليانين رجالة من عيلة ياسمين، وفي النص واقف الحاج صلاح بجلبابه وهيبته، وعينه بتبص لفوق والغضب مالي وشه.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى