بصيتله ببرود، وطلعت ورقة تانية، تقرير طبي موثق من مستشفى المعادي، بتاريخ يوم توقيع العقد والوصية، موقعة من ثلاثة أطباء استشاريين، بيقولوا بوضوح إن السيدة جريس حنا كانت تتمتع بكامل وعيها وذاكرتها، ومش تعاني من أي ضعف عقلي أو تأثير من أي أدوية تؤثر على قدرتها على التصرف القانوني.
هذا التقرير من نفس المستشفى اللي كانت بتعالج فيها، وموقعة من الدكاترة اللي كانوا بيتابعوا حالتها يوم بيوم. أمي كانت واعية تمامًا، وكانت عارفة مين اللي يستاهل ياخد حاجتها ومين اللي لا.
وحتى لو حاولتم ترفعوا قضية، المحامي بتاعها قال لي إن القضية دي هتاخد منكم سنين، وهتكلفكم فلوس كتير، وفي النهاية هتخسروها، لأن كل الأوراق سليمة ومش فيها أي ثغرة.
سكتوا تاني، ومارك كان بيبص لي بنظرة ما شفتها في عينه من قبل، نظرة غريبة مزيج من الڠضب والخۏف والندم، أو يمكن كله ڠضب عشان خطته مشيتش زي ما كان متوقع.
قرب
مني خطوة، وقال بصوت منخفض عشان غيري ما يسمعش
فاليري، تعالى نروح نتكلم في مكان تاني، بلاش الڤضيحة دي قدام الناس، ونعرف نتفاهم، كل حاجة تتحل بالعقل.
رديت عليه بنفس الهدوء اللي كان بيزيدهم غيظ
إحنا لازم نتكلم، بس مش في سر، وكل كلمة هتتقال هنا قدام الكل، عشان ما أحدش يفهم غلط بعد كده. كنت عاوز تتفاهم من أول، كنت جيت سألتني قبل ما تجيب أهلك كلهم وتقسم البيت كأنه بتاعك. كنت قلت لي يا فاليري، أهلي عاوزين يعيشوا معانا في البيت الجديد، إيه رأيك؟ وقتها كنا نقدر نتفاهم. بس اللي عملته ده مش تفاهم، ده سړقة بالعلن.
حماتي قعدت على حافة السر,,ـــــير في الأوضة الرئيسية، وبدأت ټعيط بصوت عالي وهمي
يا وحشة القلب، يا بخت ابني اللي اتجوز واحدة قاسېة كده، تمنع أهله من العيش معاه! ده احنا تعبانين وكبرنا، ومش لاقيين مكان نروحله، وبيتنا القديم بيعاني من مشاكل كتير، واحنا كنا فاكرين إننا هنعيش معاكم في راحة!
رفعت حاجبي بتعجب
بيتكم القديم اللي بتتكلمي عنه ده شقة في مصر الجديدة مكونة من أربع أوض وصالة وحمامين ومطبخ، ومساحتها تزيد عن مئة وخمسين متر، واشتريتوها قبل خمس سنين بفلوس كتير، ومش فيها أي مشكلة غير إنكم عاوزين مكان أكبر وأفخم ببلاش.
وأنتِ بتقوليلي مش لاقيين مكان تروحوله؟
ده كان سر كنت عرفته من صديقة قديمة كانت تعمل في مصلحة الشهر العقاري، وقلت لنفسي ساعتها إني ممكن أحتاجه في يوم، وها أنا استخدمته. لما سمعت كلامي، توقفت حماتي عن العيط فجأة، ووجهها احمر من الحرج، وريتشارد بصلها بعتاب، وميجان كانت بتلعب في أصابعها عشان تتهرب من النظرات.
أكملت
وبعدين، ليه مفيش حد فكر يسألني أنا عاوزة إيه؟
ده بيتي أنا، اللي دفعت فيه أمي عمرها كله، تعبت وشقت وحرمت نفسها من كل حاجة عشان تسيبه لي، عشان أعيش فيه أنا وجوزي وأولادي لو جابوا، مش عشان يكون فندق لعائلتك كلها يا مارك! كنت متوقع إني أفتح إيدي وأقولكم خدوا كل حاجة، وتنسوني أنا اللي دفعت التمن؟
مارك حاول يغير مسار الحديث
يعني إيه يا فاليري؟ عاوزة تقولي إنك مستعدة تضحي بعلاقتنا كلها عشان بيت؟ عاوزة الناس تقول إنك طردت أهل جوزك من بيتك؟
ضحكت بصوت مر، وقلت
الناس اللي تعرف الحقيقة مش هتقول كده.
الناس هتقول إنكم جيتوا تاخدوا حاجة مش بتاعكم، وإنكم نسيتوا إن لي كرامة وحقوق. وعلاقتنا مش هتضيع عشان البيت، هي هتضيع عشانك أنت، عشانك خنت الثقة اللي كنت واثقاك فيها، عشانك كنت شايفني مجرد وسيلة توصل للي انت وعائلتك عاوزينه، مش شريكة حياة.
سكت شوية، وبصيت للكل واحد بواحد
أسمعوني كويس، البيت ده لي أنا. من حق مارك يعيش معايا هنا كزوج لي، بس ده بشرط يحترم رغباتي، ويحترم البيت، ومش يجي أي حد يقعد معانا إلا لو أنا وافقت بكل رضا.
ولا حماتي ولا حمايا ولا ريتشارد ولا ميجان ولا أي حد منكم ليه أي حق هنا، إلا زيارة كأهل، مش سكن دائم. ولا تحاولوا تضغطوا عليا ولا تهددوني، لأن عندي كل الحقوق قانونيًا، ولو حاولتم تدخلوا البيت من غير إذني، هبلغ الشرطة وهعملكم محضر اقټحام ملكية خاصة.
ريتشارد قال پغضب
وأنتِ فاكرة إن مارك هيرضى بالكلام ده؟ هو جوزك، وله كلمة في البيت!
رديت بسرعة
كلمته هنا بقدر كلمتي، بس لما يكون الحق معاه. ولما يكون الحق معايا، فكلمتي هي اللي تمشي.
ولو هو شايف إن كلامي غلط، فده شأنه، بس مش هيرغمني
على حاجة مش عاوزاها.
لأول مرة، شفت في عين مارك إنه بدأ يفهم إن مش هينفع يضغط عليا، وإن اللي كان بيخطط له مش هينجح أبدًا. بص لأهله، ولما شاف نظراتهم المستنية، تنهد بثقل وقال بصوت تعبان
خلاص يا جماعة، فاليري عندها حق من الناحية القانونية، والبيت بتاعها فعلاً، ومش ينفع نعمل حاجة من غير رضاها. يلا نرجع البيت، ونفكر في الموضوع بعدين.
حماتي حاولت تعترض
يعني إيه يا مارك؟ هنرجع ونسيب البيت ده كلو ليها؟
قالها بحدة لم أشوفها منه من قبل
قلت كفاية يا ماما! احنا كنا غلطانين، ومش ينفع نكمل كده. يلا بينا.
بدأت تجمع أغراضها پغضب، وميجان نزلت ابنها من فوق الكنبة، وسحبت إيده وهو بيعيط عشان عاوز يلعب، وريتشارد ومراته سارعوا وراهم، وكل واحد كان بيطلع نظرة غاضبة أو محرجة لي، ولا حد قال لي كلمة ولا سلام.
لما مشوا، وفضلت أنا ومارك وحيدين في البيت الكبير، ساد صمت طويل، كنا نسمع فيه صوت العربيات بتاعتهم بتتحرك وتغيب في الشارع، وبعدها صوت العصافير في الجنينة الخلفية.
كنت واقفة مكاني، ماسكة الملف بقوة، وقلبي كان بيدق بسرعة، مش عارفة أنا فرحانة إني حافظت على حقي، ولا حزينة عشان الحالة اللي وصلنا ليها أنا ومارك.
مارك جلس على أول سلم، ودفع راسه بين كفيه، وقال بصوت ضعيف
أنا آسف يا فاليري. كنت غلطان، وكنت أناني، وكنت فاكر إنك هتتقبلي الأمر عشان خاطري، وعشان خاطر أهلي. ما كنتش أتخيل إن الموضوع يوصل للدرجة دي، وإنك تشوفي كده فينا.
قربت منه شوية، بس ما قعدتش جنبه، وقلت بصوت هادي
المشكلة مش إنك عاوز أهلك يعيشوا معانا، المشكلة إنك ما سألتنيش، وإنك شفت البيت بتاعي كأنه ميراث ليك، وإنك تعاملت معايا كأني مش موجودة، كأني مجرد صاحبة المفاتيح اللي هتفتح لكم الباب وبس. أمي حذرتني من كده، قالت لي الناس لما تشوف عندك حاجة، بتنسى كل الحب والعلاقات، وبتشوف بس الحاجة اللي عاوزين تاخدها. وصدقت كلامها.
رفع راسه وبص لي، وعيناه كانت مليانة دموع
أنا ما كنتش أكرهك ولا أستغلك يا فاليري.
بس أهلي همّوني، قالولي إن البيت كبير ومش هتعرفي تخدميه لوحدك، وإن وجودهم هيساعدك، وإنك هتتضايقي لو قلتلك عشان كده خبيت عليك لحد ما نجهز كل حاجة. كان لازم أكون أذكى من كده، وأفهم إن ده حاجة تخصك أنتِ أول وأخيرًا.
سكت شوية، ثم أكمل
أنا مستعد أتعوض عن غلطي. كل حاجة في البيت هنختارها سوا، الأوض اللي هنقعد فيها، واللي هنحط فيها الأثاث، ومش هدخل أي حد من أهلي إلا لو أنتِ وافقتِ، ومش هضغط عليكِ أبدًا. وعد مني، من النهاردة كل قرار في البيت ده هناخده سوا، زي ما المفروض يكون بين الزوجين.
بصيت له طويلًا، كنت عاوزة أصدقه، بس الچرح كان لسه جديد، والخېانة اللي شفتها منه كانت صعبة تتناسى بسرعة. قلت له
أنا مش عارفة أصدقك دلوقتي يا مارك. الغلط اللي عملته كبير، واثق فيك اتهز كتير. ممكن نبدأ من جديد، بس ببطء، وعليك تثبت لي إنك تستاهل الثقة تاني. أول خطوة هنقعد سوا نرتب البيت زي ما أنا عاوزة، الأوضة الرئيسية لينا، والمكتب هنخليه مكتب مش أوضة نوم، والغرف التانية نستخدمها لضيوف أو أي حاجة تانية، بس مش لسكن دائم لحد.
وتاني خطوة تكلّم أهلك وتقولهم الحقيقة بكل وضوح، وتقولهم إنهم غلطانين، وإن البيت بتاعي، ومش هينفعهم أي حاجة إلا بالطريقة الصحيحة واللي ترضيني.
هز راسه بسرعة
حاضر، كل اللي عاوزاه هفعله. سأتصل بهم
النهاردة وأقولهم كل حاجة، ولن أسمح لهم بالتدخل في شئوننا ولا في البيت ده أبدًا.
بعدها بدأنا نرتب البيت مع بعض، شلنا البلاستيك من الأثاث اللي أمي اشترته بذوقها اللي عرفته، واخترنا مع بعض الألوان للستائر والدهانات اللي كانت محتاجة تتغير، وزرعنا مع بعض ورود في الجنينة الخلفية زي ما كانت بتحب أمي.
مرت الأيام، واتضح إن مارك كان صادق في كلامه، تكلّم مع أهله ووضح لهم كل حاجة، وابتدوا يفهموا غلطهم بالتدريج، خصوصًا لما شافوا إننا فعلًا هنعيش سوا براحتنا، وإننا كنا نزورهم باستمرار، وندعوهم للزيارة في البيت من وقت للتاني، فشعروا إنهم مش منبوذين، بس مش لهم حق في الملكية. حماتي لما جت أول زيارة، قعدت معايا في المطبخ، وقالت لي بصوت خجول
سامحيني يا فاليري، كنت طماعة، ونسيت إن البيت ده تعب أمك، وإنك من حقك تفرحي بيه زي ما عاوزة. والله ما كنتش عاوزة أضايقك، ولا أتخانق معاكِ.
سامحتها، لأن المسامحة من شيم الكرام، ولأن الحياة مش تستاهل نعيشها بكراهية وڠضب. وبعدها بفترة، اكتشفت إن أمي كانت خبيّة حاجة تانية في البيت، خبيّة صندوق حديدي تحت أرضية الدولاب في الأوضة الرئيسية، مكتوب عليه اسمي. لما فتحته، لقيت فيه مذكرات كانت بتكتبها لي، وكل صفحة فيها كلام طيب ونصايح، وآخر صفحة كانت مكتوبة بخط يديها
يا بنتي، الحق أحق أن يتبع، ولا تخافي من أحد لو كنتِ على حق، واعرفي إن الكرامة أغلى من كل بيت وكل فلوس، ولو خيروك بين الكرامة والدنيا كلها، اختاري كرامتك، لأنها اللي بتبقى معاكِ لآخر العمر.
وأنا واثقة إنك هتكوني قوية كفاية تحققي نفسك، وتعيشي حياة سعيدة.
دموعي نزلت وأنا بقرأ الكلام، وحسيت إنها معايا في كل لحظة، وإنها فرحانة لما شافتني واقفة قدام البيت اللي تعبت عشان يبقى لي، وحافظت عليه وحافظت على كرامتي معاه.
والبيت ده، اللي كان هيتحول لساحة ڼزاع وسړقة، بقي بيت دفء وسعادة، كل ركن فيه بيحكي قصة تعب أمي وقوتي، وكل يوم بيمر فيه بزيد حبي له، وللأيام اللي جاية مع مارك، اللي تعلم من الغلط، وبقى شريك حقيقي لي، يقف جنبي في كل موقف، ولا يفكر أبدًا في أي حاجة تانية غير سعادتنا مع بعض.
وعرفت في النهاية إن أجمل ما في الميراث مش البيت ولا الفلوس، هو القوة والشجاعة اللي ورثتها من أمي، واللي خلتني أقدر أقف في وجه كل واحد حاول ياخد حقي، وأقول له بكل ثقة ده حقي، ولا أحد يقدر ياخده مني.