انتفضت من مكاني والدم يغلي في عروقي، بينما جسد أمي ارتعش وهي تتراجع للخلف بنظرات مرعوبة، وجاء أبي يجر قدميه ببطء وعصاه تطرق الأرض بنبرة قلق. صراخ والدة حازم في الممر كان يهز جدران البيت، والضــ,,ـــــربات على الباب لم تتوقف. فتحت ريم أختي الباب فجأة قبل أن أمنعها، لتندفع والدة حازم إلى داخل الصالة كالعاصفة، وخلفها حازم الذي كان وجهه شاحباً كالمــ,,ـــــوتى، ويداه ترتجفان، ومعهما خاله الأكبر الذي كان يحاول التهدئة دون جدوى. صاحت والدة حازم وهي توجّه سبابتها نحو وجهي:
“أهي.. أهي السنيورة اللي كانت هتدخل بيتنا! مش كفاية وقفتِ حال ابني ورفضتِ تطيعيه، رايحة تتبلي عليه في أكل عيشه وتجيبي له قرار رفد وفضيحة وسط زمايله؟” تقدم أبي بخطوات ثقيلة ووقف حائلاً بينها وبيني، وقال بصوت جهوري رغم تعبه: “الزمي حدودك يا أم حازم.. إنتي في بيتي. وابنك هو اللي دخل الشركة بـورق مزور عشان يرمي بنتي في السجــ,,ـــــن، لولا إن ربنا نصرها والكاميرات كشفت ملعوبه.” التفت خاله نحو أبي وقال بنبرة محايدة يحاول فيها كسب الوقت:
“يا حاج أحمد، إحنا أهل وأقارب في الأول والآخر، والشيطان دخل بين العيال. حازم غلط، وإحنا معترفين، والشركة خيرته بين الاستقالة الودية أو إبلاغ النيابة بتهمة التزوير وسرقة المخزن.. وإحنا جايين نلم الموضوع عشان مستقبل الولد ما يضيعش.” ضحكتُ بسخرية وأنا أنظر لحازم الذي لم يجرؤ على رفع عينيه في عيني: “دلوقتي بقينا أهل؟ ومستقبل الولد هيضيع؟ ومستقبلي أنا وشرفي اللي كنتوا عايزين تدوسوا عليه بالجزام فين؟ كنتوا فين لما والدته كلمت أمي وقالت لها ‘ابني يهد مستقبلها في دقيقة‘؟”
تدخل حازم أخيراً، وصوته كان مكسوراً ومحشرجاً، يختلف تماماً عن ذلك الصوت الهادئ المرعب الذي طلب مني الباسورد: “سارة.. أنا كونت مستعد أعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض، والضغوط هي اللي خلتني أتصرف كده.. أبوس إيدك، قريبي رئيس مجلس الإدارة مستني مكالمة منك تقولي إنك متنازلة عن حقك الشخصي في التزوير عشان يقبل استقالتي الودية وميقدمش الفيديوهات للشرطة.. لو بلّغ، أنا مستقبلي هينتهي وأمي هتمــ,,ـــــوت من قهرتها.” نظرت والدته إليّ، ولأول مرة أرى في عينيها نظرة انكسار وتوسل بدلاً من الجبروت والشماتة، وقالت بصوت خافت:
“يا بنتي.. ارحمي ضعف أم، إحنا مستعدين نسيب لكم الشبكة كلها ومصاريف الخطوبة، ومش عايزين منكم حاجة.. بس بلاش السجــ,,ـــــن.” نظرتُ إلى أبي وأمي.. رأيت في أعينهما طيبة أهلنا التي قد تدفعهم للمسامحة لمجرد رؤية شخص منكسر في بيتنا. لكنني تذكرت تلك اللحظة التي كنت فيها وحدي في غرفتي، والمروحة القديمة تدور فوق رأسي، وأنا أشعر بالرعب من ضياع شقائي وتعب سنين عمري بسبب جشع هذا الشخص وخسته.
تراجعت خطوة للوراء، وأمسكت بهاتفي المحمول، وفتحت قائمة الأسماء ثم نظرت إلى حازم بثبات هز كيانه:
“الشبكة ومصاريف الخطوبة هترجع لكم لحد عندكم بالمليم، لأننا ما بناكلش حرام، ولا بنشتري شرفنا بفلوس.. أما بخصوص قريبي ورئيس الإدارة، فهو مبيستناش مكالمتي عشان يتنازل.” اتسعت عينا حازم برعب: “يعني إيه؟” قلت بنبرة حاسمة كقطع السيف:
“يعني قبل ما تيجوا هنا بربع ساعة، رئيس مجلس الإدارة كلمني بنفسه، وأنا رفضت التنازل.. وبلغته إن حقي وحق الشركة مش ملكي لوحدي، ومحامي الشركة والشرطة زمانهم في طريقهم للمخزن عشان يقبــ,,ـــــضوا على موظف الأمن اللي ساعدك.. وإنت طلبت إن كلامك هو اللي يمشي في الآخر يا حازم، وأهو مشي.. بس للمحكمة.” تراجع حازم للخلف وهو يمسك برأسه غير مصدق، وفجأة، سُمع صوت سرينة سيارة الشرطة وهي تقترب من أسفل عمارة بيتنا، وبدأ صوت أقدام تصعد السلم بسرعة..
صوت سيارة الشرطة المقتربة كان بمثابة إعلان النهاية للعبة حازم، لكنه كان أيضاً بداية لمنحدر لم يتوقعه أحد. تسمر حازم في مكانه، واختفى كل أثر للمقاومة في عينيه، بينما صرخت والدته وولولت وهي تضــ,,ـــــرب على صدـ,,ـــرها: “يالهوي! ابني هيروح في داهية.. حرام عليكي يا شيخة، خربتي بيتنا!” خاله أدرك أن الموقف خرج عن السيطرة تماماً، فجذب حازم من يده بسرعة وقال بصوت منخفض: “امشي من هنا بسرعة قبل ما يطلعوا الشقة.. انزل من سلم الخدمة الخلفي!”
لكن حازم كان مشلول الحركة، وعيناه معلقتان بباب الشقة الخشبي الذي بدا وكأنه على وشك الانفجار. ولم تمر ثوانٍ حتى طُرق الباب بقوة، ودخل اثنان من رجال المباحث يرافقهم محامي الشركة الذي أشار بيده فوراً إلى حازم وقال: “هو ده يا فندم..
