منوعات

السر خلف الباب حكايات اسما السيد8

الفصل الأخير: ملف ليلى شعرت بأن أصابعي فقدت الإحساس. ظللت أحدق في الملف الأسود الموضوع فوق المكتب. اسمي. اسمي أنا. بعد كل ما مررنا به. بعد الأرشيف. وبعد الاختفاءات. وبعد الج*ثث المزيفة. وبعد الأسرار التي امتدت ثلاثين عامًا. كانت النهاية كلها تنتظر داخل ملف يحمل اسمي. ساد الصمت داخل الغرفة. حتى صفارات الإنذار القادمة من بعيد بدت وكأنها تنتمي إلى عالم آخر. اقترب عمر أولًا. ثم توقف. وكأنه لا يريد لمسه. أما سيف فكان ينظر إليّ فقط.

ينتظر قراري. أما نبيل فجلس على الكرسي القريب منهكًا. وقال بصوت خافت: “وصلنا أخيرًا.” نظرت إليه. “وصلنا لإيه؟” أجاب: “للسبب الحقيقي.” مددت يدي نحو الملف. وفتحته. في الصفحة الأولى كانت صورة لي. صورة حديثة نسبيًا. التقطت قبل سنوات قليلة. وفي أسفلها عبارة قصيرة: الموضوع الرئيسي للمشروع. شعرت بصدمة. قلبت الصفحة التالية. فوجدت عشرات الصور. صور لي في مراحل مختلفة من حياتي. في المدرسة. في الجامعة. في حفل تخرجي. حتى يوم زفافي من سيف. كل شيء موثق.

كل شيء مراقب. شعرت بالغثيان. قلت بصوت مرتجف: “مين اللي كان بيعمل كده؟” لكن الإجابة كانت موجودة في الصفحة التالية. كان هناك تقرير كامل. وعنوانه: مشروع الحارس. بدأت أقرأ. ومع كل سطر كنت أشعر أن حياتي كلها تُعاد كتابتها من جديد. قبل أكثر من ثلاثين سنة، كان الشركاء الخمسة يعملون على مشروع تقني ضخم. لكن المشروع لم يكن ماليًا كما ظن الجميع. ولم يكن أرشيفًا فقط. بل كان تجربة. تجربة طويلة الأمد. هدفها حماية معلومة واحدة.

سر واحد. خطير إلى درجة أن وقوعه في الأيدي الخطأ قد يدمر حياة كثيرين. لكن المشكلة كانت أن أي خزنة يمكن كسرها. وأي ملف يمكن سرقته. وأي شخص يمكن إجباره على الكلام. لذلك توصل كريم إلى فكرة مختلفة. فكرة مجنونة. أن يتم إخفاء السر داخل شخص. شخص لا يعرف أنه يحمل السر أصلًا. شخص يعيش حياة طبيعية تمامًا. ولا يشك أحد فيه. وكان ذلك الشخص… أنا. سقطت الأوراق من يدي. شعرت بأن الغرفة تدور. قال سيف:

“إيه معنى الكلام ده؟” أكملت القراءة. كان أبي جزءًا من الخطة. بل كان المسؤول عنها. في ليلة معينة قبل سنوات طويلة، تم تقسيم المعلومات إلى أجزاء. ثم أُخفي الجزء الأهم داخل سلسلة من الرموز والإشارات والذكريات المرتبطة بطفلة صغيرة.
طفلة لا تعرف شيئًا. طفلة نشأت بعيدًا عن عالمهم. طفلة أصبحت فيما بعد ليلى. أنا. لهذا السبب كان الجميع يراقبني. ولهذا السبب كان أبي يحميني. ولهذا السبب اختفى كريم. ولهذا السبب مات أشخاص كثيرون. ولهذا السبب تزوجت ياسمين من سيف ودخلت البيت.

رفعت رأسي نحوها. كانت تبكي. قالت: “أبويا كلّفني أحميكي.” “من إمتى؟” “من يوم ما اختفى.” “ليه ما قلتيش الحقيقة؟” قالت: “لأن كل واحد كان يعرف جزءًا مختلفًا من الحقيقة.” ثم أضافت: “وأبويا ما كانش واثق في حد.” حتى فينا إحنا. حتى في بنته. — قلبت الصفحات بسرعة. حتى وصلت إلى آخر الملف. وكان هناك ظرف صغير. مكتوب عليه: يفتح بواسطة ليلى فقط. فتحته بيد مرتجفة. فوجدت رسالة قصيرة. بخط كريم هذه المرة. قرأتها بصوت مرتفع:

«ليلى… لو وصلتي إلى هنا، يبقى كل شيء انتهى تقريبًا. الحقيقة التي مات الناس بسببها ليست في الأرشيف. وليست في الخزائن. وليست في الملفات. الحقيقة موجودة في مكان واحد فقط. داخل ذاكرتك.» شعرت بأن قلبي توقف. “ذاكرتي؟” ثم أكملت القراءة. «عندما كنتِ طفلة، أخفاكِ والدكِ عدة أشهر في منزل بعيد. هناك التقيتِ بي. وهناك حفظتِ شيئًا لم تعرفي قيمته. شيئًا ظننته لعبة أطفال. لكنه كان مفتاح كل شيء.» بدأت صور قديمة تتحرك في رأسي. ذكريات بعيدة جدًا.

ضبابية. منسية. لكنها موجودة. حديقة. بيت ريفي. رجل يضحك. صندوق خشبي. أحجية. أرقام. شعرت بصداع عنيف. وضعت يدي على رأسي. ثم فجأة… تذكرت. — تذكرت لعبة قديمة. لعبة كان أبي يمنعني من رميها. رغم أنها بدت بلا قيمة. صندوق موسيقى صغير. على شكل منزل. كنت أحتفظ به سنوات طويلة. ثم نقلته إلى شقتي بعد الزواج. وما زال موجودًا. في خزانة قديمة. في بيتي. — رفعت رأسي فجأة. “الصندوق.” نظر الجميع نحوي. “إيه؟” قلت: “عرفت مكان السر.”

— بعد أقل من ساعة كنا في منزلي. أول منزل عشت فيه بعد الزواج. المنزل الذي تركناه منذ بداية هذه الفوضى. ركضت إلى غرفة التخزين. وبدأت أبحث. حتى وجدته. مغطى بالغبار. صندوق الموسيقى القديم. أمسكته. وفتحته. في البداية لم أجد شيئًا. ثم ضغطت على قطعة خشبية صغيرة داخله. فصدـ,,ـــر صوت خافت. وانفتح تجويف سري. شهقت ياسمين. أما عمر فأغلق عينيه.
وكأنه أدرك أن الرحلة انتهت. داخل التجويف كان يوجد قرص تخزين صغير. فقط. قطعة صغيرة جدًا.

هي السبب في كل شيء. —

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى