الفصل الثالث: الج*ريمة التي دفنتها العائلة بقيت واقفة في الممر عدة ثوانٍ بعد اختفاء الرجل. لم أتحرك. لم أصرخ. كل ما كنت أفكر فيه هو سؤال واحد: إذا كان عمر حيًا… فمن الذي مات في ذلك الحادث؟ ومن الرجل الذي رأيته قبل لحظات؟ وهل كان عمر نفسه؟ أم شخصًا آخر؟ داخل المكتب استمرت الأصوات. لكنني لم أجرؤ على الاقتراب أكثر. عدت إلى غرفتي وأنا أشعر أن البيت الذي عشت فيه سبع سنوات أصبح غريبًا تمامًا.
عندما دخلت وجدت ياسمين جالسة على السرير. مستيقظة. وكأنها كانت تنتظرني. نظرت إليّ فورًا وقالت: “روحتي المكتب صح؟” تجمدت. “إنتِ عرفتي إزاي؟” ابتسمت ابتسامة حزينة. “لأن كل اللي بيكتشف السر بيروح هناك.” جلست أمامها. ورويت لها ما سمعته. كل شيء. وعندما ذكرت اسم عمر… أغمضت عينيها. وكأنها كانت تتوقع ذلك. ثم قالت: “إحنا لازم نعرف الحقيقة قبل ما الحقيقة تلاقينا.” في صباح اليوم التالي. خرج سيف إلى الشركة. ولأول مرة منذ زواجها، طلبت ياسمين أن ترافقني خارج الفيلا.
ركبنا السيارة. وتوجهنا إلى مكان لم أزره منذ سنوات. مقبرة العائلة. كانت السماء رمادية. والهواء ساكنًا بشكل غريب. وصلنا إلى قبر عمر. نفس القبر الذي وقفنا أمامه يوم الجنازة. نفس الرخام الأسود. نفس الاسم المحفور. وقفت ياسمين تقرأ الاسم. ثم همست: “لو عمر عايش… يبقى مين هنا؟” لم أجد جوابًا. لكن أثناء وقوفنا هناك… اقترب رجل مسن من بعيد. كان حارس المقابر. نظر إلينا طويلًا. ثم قال: “حضراتكم من عيلة الحديدي؟” أومأت برأسي. فتغير لون وجهه.
وقال: “كنت مستني اليوم ده من سنين.” شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. “مستني إيه؟” اقترب أكثر. ثم قال: “عشان أقول الحقيقة.” جلسنا معه داخل غرفة صغيرة بجوار المقابر. وأخرج من درج قديم ظرفًا أصفر مهترئًا. كان مغلقًا منذ سنوات. وضعه أمامي. وقال: “الراجل اللي دفنوه هنا مش عمر.” تجمدت. “إنت متأكد؟” أومأ. “أنا شفت الجثة.” ثم أكمل: “كان فيه وشم كبير على كتفه.” “وعمر ما كانش عنده وشم.” نظرت إلى ياسمين. ثم عدت إليه. “وليه ما قلتش الكلام ده وقتها؟”
ضحك بمرارة. “قولته.” “بس محدش سمع.” “وسيف دفع فلوس كتير عشان الملف يتقفل.” شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي. سيف؟ زوجي؟ الرجل الذي عاش معي سبع سنوات؟ كان يخفي كل هذا؟ فتحنا الظرف. وكانت بداخله صور. قديمة. مأخوذة يوم الحادث. بدأت أقلبها بيدي المرتجفتين. ثم توقفت عند صورة معينة. وشهقت. لأن الشخص الموجود بجوار السيارة المحطمة… كان سيف. لكن التاريخ المكتوب خلف الصورة كان قبل وصول الشرطة بثلاث ساعات كاملة. ثلاث ساعات. أي أن سيف كان موجودًا هناك قبل الجميع.
وقبل إعلان الحادث. وقبل العثور على الجثة. رفعت رأسي ببطء. ونظرت إلى الحارس. فقال: “وده مش أغرب حاجة.” ثم أخرج صورة أخرى. وعندما رأيتها… كدت أسقط من فوق الكرسي. لأن عمر كان ظاهرًا فيها. واقفًا. سليمًا. بجانب السيارة. بعد الحادث. بعد الوقت الذي يفترض أنه مات فيه. في طريق العودة لم نتبادل كلمة واحدة. كل شيء أصبح أسوأ. الحادث كان كذبة. الجثة ليست جثته. سيف أخفى الحقيقة. وعمر كان حيًا بعد الحادث. لكن لماذا؟
ولماذا اختفى؟ عندما عدنا إلى الفيلا. كان البيت هادئًا على غير العادة. الخدم يتحركون بتوتر. وأم سيف تبكي في غرفتها. شعرت أن شيئًا ما حدث. ثم رأيت سيف. واقفًا في منتصف الصالة. ينظر إلينا. وكأنه كان يعلم أين ذهبنا. قال بهدوء مرعب: “كنتم في المقابر.” لم يكن سؤالًا. كان تأكيدًا. تجمدت. أما ياسمين فتمسكت بذراعي. اقترب سيف خطوة. ثم أخرى. وقال: “قلتلكم قبل كده… فيه حاجات أحسن لكم ما تعرفوهاش.” صرخت فيه: “مين اللي مات يا سيف؟”
ساد الصمت. ثوانٍ طويلة جدًا. ثم رفع عينيه نحوي. وقال: “أبويا.” شعرت أن قلبي توقف. “إيه؟” قال بصوت مكسور لأول مرة منذ عرفته: “اللي اتدفن مكان عمر… كان أبويا.” وتجمد العالم كله حولي. لأن والد سيف وعمر كان قد مات رسميًا قبل عشرين سنة… وكان الجميع يعتقد أنه دُفن بالفعل. فإذا كان هو الجثة التي ظهرت في الحادث… فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط: والدهم لم يمت قبل عشرين سنة. بل كان حيًا طوال تلك السنوات.
وكان مختبئًا. وكان قد عاد قبل الحادث مباشرة. وعندها فقط فهمت لماذا كان عمر يراقب البيت كل ليلة… لأنه لم يكن يحاول إيذاء أحد. كان يبحث عن شيء. شيء تركه والده خلفه. شيء مستعد للق*تل من أجله. يتبع… الفصل الرابع: المفتاح المخفي ساد الصمت في الصالة بعد اعتراف سيف. حتى عقارب الساعة بدت وكأنها توقفت. كنت أحدق فيه غير قادرة على استيعاب ما سمعته. أما ياسمين فكانت أول من تكلم. قالت بصوت مرتجف: “يعني والدك كان عايش كل السنين دي؟”
أغمض سيف عينيه للحظة. ثم جلس على أقرب مقعد. وكأنه يحمل فوق كتفيه عمر عشرين سنة من الأسرار. قال بصوت منخفض: “أيوه.” شعرت بالغضب يشتعل داخلي. “وأنت كنت عارف؟” رفع رأسه نحوي. وفي عينيه شيء لم أره من قبل. ندم. حقيقي. مؤلم. قال: “عرفت وأنا عندي واحد وعشرين سنة.” بدأ يحكي. قبل عشرين سنة أُعلن أن والده، فؤاد الحديدي، توفي في حادث غامض أثناء سفره خارج مصر. تمت الجنازة. وتقاسمت العائلة الحزن. لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فؤاد لم يمت. بل اختفى بإرادته. لأنه كان مطاردًا من مجموعة رجال كانوا يبحثون عن شيء يملكه. شيء بالغ الخطورة. شيء كان مستعدًا للموت من أجله. قال سيف: “قبل اختفائه بأيام كتب رسالة.” ثم نهض. واتجه إلى مكتب قديم في الصالة. وأخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا. وضعه أمامنا. وأضاف: “وساب المفتاح ده.” نظرت إليه. كان قديمًا جدًا. ومحفورًا عليه حرف واحد. حرف (ف). فؤاد. قال سيف: “أبويا قال إن المفتاح هيفتح الحاجة اللي الكل بيدور عليها.”
سألته: “إيه هي؟” هز رأسه. “ماعرفش.” “حتى عمر ماكانش يعرف.” “كل اللي نعرفه إن فيه صندوق.” “وصندوق ده مخبي من عشرين سنة.” في تلك اللحظة دخلت أم سيف. وكان وجهها شاحبًا. لكن عندما رأت المفتاح فوق الطاولة…