الجزء الثامن: العساكر كسروا باب الشقة ودخلوا والأسلحة في إيديهم، لكن أول ما الضابط خطى جوة الصالون، وقف مكانه واتصدم. الحاجة سهير كانت مرمية على السجادة، إيدها قابضة على صدـ,,ـــرها بعنــ,,ـــــف، وتليفونها اللي عليه صورة كريم واقِع جنب راسها. وشها كان أزرق وعينيها مفتوحة على الآخر وبتبص للسقف بذهول، والنفس خارج منها بصعوبة وزي الحشرجة. الضابط وطى عليها بسرعة، حط صوابعه على رقبتها يشوف النبض، وصرخ في العساكر: — اطلبوا الإسعاف فورًا! الست دي بتجي لها جلطة في القلب!
المشهد كان فيه عدالة إلهية غريبة ومخيفة؛ الست اللي سابت ندى تنزف وتمــ,,ـــــوت لوحدها عشان “برستيج” حفلتها، كانت دلوقتي بتمــ,,ـــــوت لوحدها في شقتها، والشرطة اللي جاية تقبــ,,ـــــض عليها هي اللي بتحاول تنقذها. عربية الإسعاف جت وشالتها ونقلوها على مستشفى عين شمس التخصصي تحت حراسة مشددة. الدكاترة دخلوا بيها على الرعاية المركزة، والتقرير المبدئي قال: “احتشاء حاد في عضلة القلب (جلطة) نتيجة ضغط عصبي شديد، والحالة غير مستقرة”.
في نفس الوقت، وتحديدًا بعد مرور أسبوع، كانت محكمة جنايات القاهرة في التجمع الخامس مقلوبة. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها بالصحفيين والمحامين، لأن القضية بقت قضية رأي عام، والكل بيتكلم عن “مهندس مدينة نصر اللي ساب مراته الحامل بنزيف عشان يحضر عيد ميلاد أمه”. كريم الشناوي دخل القفص الحديدي، وكان في حالة يرثى لها. شعره المحلوق ميري، وجسمه اللي خس النص، والكلبش اللي رابط إيده بإيد عسكري الحراسة. كان بيبص حواليه برعب، لحد ما عينه جت على المقاعد الأمامية في القاعة.
هناك.. كانت قاعدة ندى عبد الرحمن. لابسة فستان أسود أنيق، ووشها رجع له النور والصحة، وجنبها كان واقف سيف المنشاوي ببدلته، واللواء أحمد عبد الرحمن قاعد بهيبته ووقاره في أول صف. ندى بصت لكريم نظرة واحدة.. مكنش فيها غل ولا انتقام، كانت نظرة “قرف وشفقة”، كأنها بتبص لشيء ملوش أي قيمة في حياتها. كريم أول ما شافها، دموعه نزلت وصاح من ورا القضبان بصوت مكسور: — ندى! سامحيني يا ندى! أنا اتدمرت جوه.. أبوس إيدك تنازلي عن القضية.. أنا ابننا محتاجني!
ندى لفت وشها الناحية التانية ببرود تام، وسيف حط إيده على كتفها عشان يطمنها ويثبتها. “محكمة!”.. صرخ الحاجب، والكل وقف في ثانية. دخل المستشار رئيس المحكمة ووعلى يمينه ويساره اليمين واليسار من القضاة الأجلاء. بدأت الجلسة، ووقف الأستاذ رفعت، محامي ندى، وفجر مفاجأة قانونية جديدة هزت القاعة. وقف قدام المنصة وقال بصوت جهوري:
— سيادة الرئيس، نحن لا نطالب فقط بتطبيق مواد قانون العقوبات الخاصة بالامتناع عن الإغاثة والإهمال، بل نطالب بتعديل القيد والوصف في القضية إلى “جناية الشروع في ال. العمد مع سبق الإصرار”! المتهم كان يعلم يقينًا خطورة حالة المجني عليها، وباعترافه في تحقيقات النيابة، قال إنه أراد “تأديبها” لأنها أرادت إفساد حفل والدته.. والتأديب بترك امرأة تنزف حتى المــ,,ـــــوت هو شروع في . صريح!
قاعة المحكمة ضجت بالهمسات، وكريم بدأ يصرخ ويبكي: — لاء يا فندم! أنا مكنتش عايز أمــ,,ـــــوتها! أنا بس سبتها كام ساعة!
القاضي خبط بالشاكوش بعنــ,,ـــــف: — سكوت في القاعة! المتهم يتكتم خالص وإلا هحكم عليه بطرد من القلسة بتهمة إهانة الهيئة! في نفس الجلسة، اتطلب شهادة الدكتورة دينا فؤاد، اللي وقفت وقالت بكل أمانة طبية إن التأخير لو كان زاد عن 10 دقائق كمان، كانت ندى وابنها هيبقوا في عداد الأموات، وإن الرحم بتاع ندى اتهتك بالكامل. المستشار رفع عينيه وبص لكريم وقال له: — لسه متمسك بأقوالك يا متهم؟ كريم انهار تمامًا وقعد على ركبته في أرضية القفص وهو مخبي وشه بين إيديه ومش بيرد.
بعد ساعات من المداولة الساخنة، القاضي رفع الجلسة للقرار. وفي الاستراحة، سيف قرب من ندى وقال لها بحنان: — خلاص يا ندى.. كابوسك بيقفل بابه الأخير النهاردة. حقك وحق ابنك بيرجع قدام عيون مصر كلها. ندى أخدت نفس عميق وقالت: — أنا مش فارق معايا هو هياخد كام سنة يا سيف.. أنا اللي فارق معايا إن ابني أحمد يكبر وهو عارف إن أبوه الحقيقي مش الراجل اللي في القفص ده.. أبوه هو اللي صان أمه ووقف جنبها.
سيف بص في عينيها وقال بنبرة مليانة وعد: — وأنا هكون له الأب والظهر يا ندى.. من بكره مكتب المحاماة بتاعك هيتفتح من تاني، وأنا هكون أول شريك ليكي في كل خطوة. رجع القاضي للمنصة، وساد صمت رهيب في القاعة لدرجة إن صوت أنفاس كريم المكتومة كان مسموع. القاضي مسك ورق الحكم، ونظارته على طرف مناخيره، وقرأ بصوت هز جدران المحكمة:
— بعد الاطلاع على المواد القانونية، وبناءً على ما استقر في يقين المحكمة وثبوت الأركان الجنائية وبشاعة الجرم الذي يتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية.. حكمت المحكمة حضوريًا على المتهم كريم الشناوي بالسجــ,,ـــــن المشدد لمدة عشر سنوات.. غيابيًا على المتهمة سهير الشناوي بالسجــ,,ـــــن المشدد لمدة خمس سنوات بتهمة التحريض والمساعدة.. مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة. رُفعت الجلسة! خبطة الشاكوش الأخيرة كانت بمثابة إعلان وفــ,,ـــــاه لكريم، اللي صرخ صرخة مرعبة واغمى عليه جوه القفص، والعساكر سحبوه كأنه جــ,,ـــــثه هامدة لزنزانة الترحيلات ومنها لسجــ,,ـــــن ليمان طره عشان يقضي عقوبته.
خرجت ندى من المحكمة وهي ماسكة في إيد أبوها اللواء أحمد، وإيد سيف الناحية التانية. الشمس كانت حامية، لكن ندى حست إن الهوا النهاردة طعمه مختلف.. خلاص، العدالة اتحققت. بعد يومين.. ندى كانت قاعدة في صالون فيلا أبوها، بتلاعب ابنها أحمد اللي بدأ يكبر وصحته بقت ممتازة. التليفون رن، لقت المتصل المستشفى التخصصي. ردت، وجاء صوت الطبيب المعالج للحاجة سهير:
— أيوة يا فندم.. الأستاذة ندى؟ إحنا بنبلغ حضرتك إن المريضة سهير الشناوي فاقت من الغيبوبة بعد جلطة القلب.. وحالتها شبه مستقرة، لكن الجلطة سابت أثر.. جالها شلل نصفي كامل وفقدت القدرة على النطق.. وهي حاليًا بتشاور بـ إيدها وعايزة تشوفك أنتي وابن كريم.. تحبي تيجي؟
ندى مسكت التليفون، وبصت لابنها الصغير اللي بيضحك في حــ,,ـــــضنها، وبصت لسيف اللي كان لسه داخل من الباب ومعاه ورد وشنطة أوراق قضية جديدة بيجهزوها سوا.. ندى سكتت ثواني، وأخدت قرارها اللي هيغير مسار الحكاية كلها..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم للقصص الكامله الجزء التاسع (وقبل الأخير): ندى فضلت ماسكة التليفون، وصوت الدكتور على الناحية التانية مستني ردها. بصت لسيف اللي كان داخل بابتسامته الدفية وفي إيده الورد، وبصت لأبوها اللواء أحمد اللي كان بيراقبها بنظراته الحكيمة الوعية. أخدت نفس طويل، وقالت للدكتور بنبرة هادية بس حاسمة: — لاء يا دكتور.. مش هاجي، والبيبي مش هيشوفها. أنا مش شمتانة في مرضها، ربنا يتولاها ويسامحها.. بس الست دي وابنها خرجوا من حياتي وحياة ابني بلا رجعة. اللي يفرط في روح طفل وفي حياة بني آدم عشان كبريائه، ملوش مكان في دنيتنا. شكرًا لحضرتك.
قفلت ندى الخط، وحست بوزن جبل عتيق بيتشال من فوق صدـ,,ـــرها. سيف قرب منها، حط الورد على الترابيزة وقعد جنبها، وبص للبيبي أحمد اللي كان بيناغي وبيتحرك بخفة: — في حاجة حصلت يا ندى؟