لم تنتظر ريهام سماع البقية. أشار أحمد للعمال، وخلال دقائق معدودة، وتحت وطأة الطرق القوي، انفتح الباب لتقف الحاجة فايزة مصدومة، وخلفها خرج مدحت من الغرفة بملابس النوم، وعلامات الفزع ترتسم على وجهه. صاح مدحت بغضب: “إيه اللي بتعمليه ده يا ريهام؟ إنتي اتجننتي؟ إزاي تكسري الباب وتدخلي كده؟” ردت ريهام بمنتهى الثبات وهي تشير للعامل ببدء تركيب القفل الجديد: “أنا مكسرتش بيت حد، أنا داخلة ملكي. الـ 24 ساعة خلصوا يا مدحت، وإنت وأمك لسه هنا.”
تدخلت الحاجة فايزة وهي تصرخ: “ملكك إيه يا خطافة الرجالة؟ ده بيت ابني، شقا عمره! إنتي عاوزة تطردينا في الشارع عشان مابتخلفيش وعقدتك نقص؟”
هنا تقدم أحمد، شقيق ريهام، ووقف كحائط سد أمام مدحت وأمه، وأخرج من حقيبته صورة رسمية مطورة من عقد الشقة المسجل في الشهر العقاري، ورفعها أمام أعينهم قائلاً بصوت جهوري: “الشقة دي مسجلة بيع وشراء باسم ريهام من سبع سنين. مدحت ملوش هنا ولا قشة. قدامكم نص ساعة بالظبط، تلموا هدومكم الشخصية في شنطتين وتطلعوا برة، وإلا المحضر اللي هيتعمل دلوقتي في القسم مش هيكون طرد وبس، هيكون تبديد واستيلاء على ملك الغير، وهتشوفوا شكلكم هيبقى إيه قدام عروسته الجديدة وأهلها لما يعرفوا إن العريس مطرود من شقة مراته الأولى.”
شحب وجه مدحت تماماً. الكلمة الأخيرة أصابته في م.؛ “أهل علا”. كان يعلم أنهم عائلة تفتخر بنفسها، ولو علموا بأنه لا يملك شبراً في هذه الشقة، وأن زوجته الأولى هي من تطرده، لفسخوا الخطبة فوراً واستردوا ابنتهم. بدأ مدحت يتراجع، ونظر إلى ريهام برجاء زائف: “ريهام.. إحنا عشرة 12 سنة، مش كده.. ميبقاش أحمد يدخل بينا ويخرب بيتنا.” نظرت إليه ريهام بنظرة خالية من أي مشاعر، وقالت: “العشرة دي إنت اللي دوست عليها برجليك لما وافقت أمك تسيبني في الشارع عشان تجيب ضرة تقعد مكاني وفي شقتي. النص ساعة بدأت يا مدحت.”
اضطر مدحت، تحت ضغط الخوف من الفضيحة وأمام إصرار أحمد، أن يلملم ملابسه وملابس والدته في حقائب سريعة وسط دموع التذمر والشتائم المكتومة من الحاجة فايزة، التي كانت تصيح: “بكرة تندمي يا ريهام! بكرة يجيله الولد اللي يرفع راسه وتفضلي إنتي بطولك!” خرج مدحت ووالدته يجرون أذيال الخيبة والحقائب خلفهم، ودخلت ريهام شقتها، وأغلقت الباب الجديد بالمفاتيح الجديدة. استنشقت الهواء وكأنها تتنفس لأول مرة منذ شهرين. لكنها كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ هنا، بل بدأت للتو.
في المساء، كان مدحت يجلس في شقة والدته القديمة والمتهالكة، والنــ,,ـــــار تشتعل في صدـ,,ـــره. اتصل به والد “علا” (العروس الجديدة) يسأله عن موعد نقل “الجهاز” إلى الشقة الجديدة كما كان متفقاً عليه. اضطر مدحت للكذب بادعاء أن هناك بعض التشطيبات المتأخرة، لكنه أدرك أنه في مأزق حقيقي لا يرحم.
قالت له أمه وهي تحرضه: “مش هنسيبها تتهنى يا مدحت. الشقة صحيح باسمها، لكن العفش والأجهزة والفرش جوه الشقة إحنا اللي شارينه، حتى لو هي ساعدت في حاجات بسيطة. بكرا الصبح تاخد اتنين محاميين وترفع عليها قضية تمكين، وتطلب حقك في العفش، وننزل عليها بقضية طاعة ونمرمطها في المحاكم لحد ما تيجي تبوس رجلك عشان ترجع!”
لم يكن مدحت يعلم أن ريهام كانت أسرع منه بخطوة. في صباح اليوم التالي، وبينما كان مدحت يستعد للذهاب إلى المحامي، تفاجأ باتصال هاتفى من حارس العقار الذي تقع فيه شقة ريهام، يقول له بصوت مرتجف: “الحق يا أستاذ مدحت..
الست ريهام جايبة عربيات نقل كبيرة، وبتنزل كل العفش والأجهزة اللي في الشقة!” طار عقله من الصدمة، ونزل مسرعاً متوجهاً إلى الشقة وهو يتوعد بإنهاء كل شيء بيده هذه المرة. وحين وصل إلى الشارع، وجد عمال النقل يقومون بالفعل بتحميل آخر قطع الأثاث في السيارات. اندفع مدحت نحو ريهام التي كانت تقف تشرف على العمال بهدوء، وصاح بجنون: “أنتي بتسرقي حاجتي يا ريهام؟ العفش ده بتاعي! أنا هطلبلك النجدة حالا بتهمة السرقة والتبديد!”
التفتت إليه ريهام، وابتسامة ثقة تزين وجهها، ولم تنطق بكلمة، بل أشارت للمحامي الخاص بها الذي كان يقف بجوارها. تقدم المحامي خطوة، وأخرج حافظة مستندات، وقال لمدحت بنبرة قانونية باردة: “اتفضل اطلب النجدة يا أستاذ مدحت. دي فواتير الشراء الرسمية لكل قطعة عفش وجهاز نزل من الشقة، وكلها طالعة باسم الأستاذة ريهام ومن حسابها البنكي الشخصي. والأهم من ده كله… اتفضل دي إنذارات رسمية على يد محضر بإخلاء العين، وده محضر إثبات حالة مسجل في القسم من الصبح بكل قطة بتخرج من الشقة عشان ميبقاش عندك أي ثغرة تتبلى بيها عليها.”
سقطت الكلمات على رأس مدحت كالصاعقة. التفت إلى ريهام وعيناه تشعان غلاً قائلاً: “يعني إيه؟ هتاخدي الشقة والعفش؟ وعايزاني أخرج من المولد بلا حمص بعد 12 سنة؟” اقتربت منه ريهام، وقالت بصوت منخفض لم يسمعه سوى هو: “الـ 12 سنة دول أنا دفعت تمنهم من صحتي وأعصابي وفلوسي عشان أعمل منك راجل وليه بيت. لما فكرت تتجوز وتعمل عيلة، كان لازم تعملها بفلوسك وشقاك، مش تبني سعادتك الجديدة على أنقاضي. الشقة دي أنا أجرتها من ساعة واحدة بعقد رسمي لعيلة جديدة وهتستلمها بكرة، وفلوس الإيجار هتعوضني عن قسط الشقة. أما إنت… فخلّي علا وأهلها ينفعوك.”
تركته ريهام وركبت السيارة بجانب شقيقها، وتحركت سيارات النقل تتبعها، تاركة مدحت واقفاً في منتصف الشارع، والمارة ينظرون إليه بهمس وسخرية، وهو يدرك أن ورطته مع عائلة عروسته الجديدة أصبحت مسألة ساعات فقط قبل أن تنفجر في وجهه. وعقله يدور في سؤال واحد: كيف سيتصرف مع أهل علا عندما يكتشفون الكارثة؟