كان ياسين! ملمحش أي حد من المسلحين، عينيه كانت بتدور بجنون وسط الدخان لحد ما لمح جزمة الكوتشي بتاعتي وهي بتتحرك تحت الكرسي المقلوب. جرى عليا بأقصى سرعة، ورمى نفسه في الأرض جمب الكرسي. عينيه كانت حمرا من كتر الدخان والدموع، ووشه كان مليان جروح من شظايا الانفجار. مسك سكــ,,ـــــينة صغيرة كانت في جيبه وبدأ يقطع الحبال اللي مكتفاني بسرعة وهو بيقول بنبرة ملهوفة وصوت بيتقطع من الكحة: “متخافيش يا سلمى… عمو ياسين معاكي… مش هسيبك تمــ,,ـــــوتي هنا والله.”
أول ما الحبال اتقطعت، حــ,,ـــــضنته بقوة وأنا بصرخ من الخوف. شالني بين دراعاته بسرعة ولسه بيلف عشان يجري بيا لبرة… ظهر حسن من وسط الدخان، وشه كان متشوه تماماً ومغطي بالهباب الأسود، وعينيه مفيهاش أي ذرة إنسانية. كان رافع مسدسه وموجهه مباشرة لصدـ,,ـــر ياسين. زعق بنبرة وحشية كأن عقله طار: “رايح فين يا ياسين؟! اللعبة مش هتنتهي غير بمــ,,ـــــوتك! ارمي البنت وسيب الكارت هنا، وإلا هقضي عليكم أنتوا الاتنين!” ياسين وقف مكانه وثبتني ورا ضهره عشان يحميني بجسمه، وبص لحسن بنظرة قرف وألم وقال بصوت قوي وهادي بالرغم من النــ,,ـــــار اللي بتحاصرهم:
“أنت مريض يا حسن… الطمع عماك لدرجة إنك مستعد تق*تل بنتك الوحيدة؟ بص حواليك… المكان كله بيقع، لو ممشيناش دلوقتي كلنا هنمــ,,ـــــوت هنا!” في اللحظة دي، حازم ظهر من ورا حسن بغدر تام، وصوب مسدسه على ظهر حسن وهو بيضحك ضحكة هستيرية: “هو فعلاً مريض يا خالي… عشان كده أنا هريحه وأريحكم كلكم، والمليارات دي كلها هتكون ليا أنا لوحدي!” حازم ضغط على الزناد… لكن في نفس الأجزاء من الثانية، حسن لمح ظل حازم في انعكاس مية النيل اللي داخلة من الشباك المكسور، ولف بجسمه بسرعة وضــ,,ـــــرب هو كمان!
دوي طلقات نــ,,ـــــارية متتالية هز العنبر كله، واختلط بصوت صرخاتي الرعب. حازم انصابت رصاصته في صدـ,,ـــره ووقع في الأرض وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة وعينيه مبرقة بجنون وصدمة. أما حسن، فالطلقة بتاعة حازم صابت كتفه ورقابه، تراجع لورا وهو بيترنح ودمه بينزف بغزارة على التراب، وبدأ يقع ببطء ناحية براميل البنزين القديمة اللي كانت قريبة من النــ,,ـــــار المشتعلة. ياسين مستناش ثانية واحدة. شالني على كتافه وجري بيا بأقصى سرعة ناحية المخرج السري اللي بيودي على مرسى النيل، في الوقت اللي كانت جدران العنبر الخشبية بتنهار ورانا زي ورق الكوتشينة.
خرجنا للهوا النظيف، وكنت بكح بعنــ,,ـــــف وبحاول أتنفس وأنا باصة ورايا. العنبر كله اتقلب لكتلة لهب ضخمة منورة ليل النيل المظلــ,,ـــــم، وصوت انفجارات متتالية كانت بتطلع منه. ياسين نزلني في الأرض ووقع على ركبه وهو بيلهث وتعبان جداً، وحــ,,ـــــضن كتفي وهو بيبص للنــ,,ـــــار بأسى وحزن على صاحبه القديم اللي نهايته كانت مأساوية بسبب الطمع. لكن الصدمة لسه مخلصتش…
من بين الضلمة، ومن وراء الشجر الكثيف اللي على جرف النيل، ظهرت عربية ميكروباص سودا تانية تماماً، ونزل منها رجالة مسلحين لابسين بدل سودا فخمة مش ملثمين… دول حرس شريف الغرباوي الشخصيين!
وواحد منهم كان ماسك تليفون شغال سبيكر، وطلع منه صوت شريف الغرباوي الحقيقي وهو بيقول ببرود قاتل لياسين عبر الهاتف: “برافو يا ياسين… خلصتني من حسن وحازم الأغبياء ووفرت عليا تصفيتهم. بس الكارت الأصلي لسه معاك، والبنت معاك… ورجالتي محاصرين المرسى بالكامل ومفيش أي شرطة هتلحقك هنا. سلم الكارت والبنت حالاً… وإلا نادية اللي عندي في المستشفى تحت رحمة رجالتي هناك هتمــ,,ـــــوت في دقيقة واحدة بحقنة هوا!”
ياسين وقف ببطء وهو بيبص للمسلحين اللي محاصرينه من كل جهة، ورفع إيديه لفوق وهو حاسس بنهاية حتمية، وهمسلي بصوت دافي وعينيه بتودعني: “سلمى… سامحيني يا حبيبتي… أنا عملت كل اللي أقدر عليه.” وفجأة… من تحت مية النيل المظلــ,,ـــــمة، وبدون أي مقدمات… ظهرت كشافات غطاسين قوية جداً بدأت تضــ,,ـــــرب في وش المسلحين، وصوت مركب حربي سريع تابع للقوات الخاصة بدأ يظهر من وسط الضلمة وهو بيقرب من المرسى بسرعة الصاروخ! ضــ,,ـــــربات قلبي السريعة كانت بتتسابق مع صوت ضــ,,ـــــرب النــ,,ـــــار اللي بدأ فجأة من كل اتجاه.
انشقت مية النيل عن رجالة الضفادع البشرية وهم بيطلعوا زي الأشباح، وبلمح البصر، وقبل ما رجالة شريف الغرباوي يستوعبوا الكارثة، كانت طلقات تحذيرية ورصاص حقيقي بيصيب رجولهم وأسلحتهم بدقة متناهية. القارب الحربي السريع هجم على المرسى، ونزل منه رجالة العمليات الخاصة بملابسهم السوداء وأسلحتهم المجهزة بالليزر، وصوت مكبر الصوت زلزل المكان: > **”اثبت مكانك أنت وهو! الأرض محاصرة بالكامل!”** > ### اللحظة الحاسمة في ثوانٍ معدودة، كان رجالة شريف الغرباوي كلهم على الأرض، مكلبشين وتحت سيطرة القوات الخاصة. قائد المجموعة جرى بسرعة على ياسين، وبصوت حازم وهادي قاله:
“أنت كويس يا سيادة المقدم؟” ياسين مكنش سامع ولا شايف غير التليفون اللي كان لسه مرمي على الأرض وصوت شريف الغرباوي بيطلع منه بضحكة قلقانة ومرتبكة: “ألو؟ إيه اللي بيحصل عندك يا متر؟ ألو؟” ياسين وطى بسرعة، مسك التليفون، وصرخ فيه بكل غضب الدنيا وهو بيلهث: “انتهت يا شريف! لعبتك خلصت ورجالتك كلهم تحت رجلينا!” صوت شريف على الناحية التانية اتحول لبرود مرعب وفحيح أفعى: “متفرحش أوي يا ياسين… نسيت نادية؟ حركة واحدة غبية منك، وهتسمع خبرها في التليفون ده حالا!”
في اللحظة دي، قائد القوات الخاصة طبطب على كتف ياسين، وبشاورله بابتسامة ثقة وهو بيقدّم له تليفون تاني مشفر، وعليه مكالمة شغالة. ياسين مسك التليفون بوجل، وسمع الصوت اللي رد عليه: “ياسين؟ حبيبي أنت كويس؟ سلمى معاك؟” كانت نادية! صوتها كان تعبان بس واعي ودافي. الظابط بصل لياسين وقاله بابتسامة:
“مستشفى القوات المسلحة أمنّت المستشفى اللي فيها نادية من نص ساعة يا بطل، ورجالة شريف اللي كانوا هناك اتمسكوا قبل ما يقربوا من أوضتها بخطوة واحدة. المستندات اللي حسن بعتها لوزارة الداخلية قبل ما يتجنن كانت كافية نتــ,,ـــــحرك فوراً.”
ياسين نزلت دموعه من الفرحة، ركع على الأرض وشدني لحــ,,ـــــضنه وهو بيعيط وبيردد: “الحمد لله… الحمد لله يا رب… راحت الغمة.” ### نهاية الطمع بصينا ورايا، كان العنبر المهجور بينهار بالكامل، ولسان اللهب واصل للسما. النــ,,ـــــار أكلت كل شيء؛ حسن، وحازم، والمليارات الوهمية اللي ضيعوا حياتهم ونفوسهم عشانها. الطمع مخلّاش منهم غير شوية رماد تاهوا في هوا النيل.
شريف الغرباوي اتقبــ,,ـــــض عليه في نفس الساعة في فيلته وهو بيحاول يهرب برة البلد، والكارت الأصلي اللي مع ياسين كان المسمار الأخير في نعش إمبراطوريته القذرة. ### شروق جديد بعد كام يوم… كنت قاعدة في جنينة المستشفى، الشمس دافية وجميلة، وماما كانت قاعدة جمبي وضماني لحــ,,ـــــضنها وهي مش مصدقة إني رجعتلها بالسلامة. من بعيد، لمحنا ياسين جاي وهو ساند نادية اللي كانت على كرسي متحرك بس وشها منور بابتسامة صافية. ياسين جرى عليا وشالني ولف بيا وهو بيضحك، الضحكة الحقيقية الأولى اللي أشوفها على وشه من يوم ما بدأت الكابوس ده.
بصيت لعيون عمو ياسين وقولتله: “شكراً إنك منقذتنيش بس… شكراً إنك رجعتلي الأمان.” طبطب على راسي بحنان وقال: “أنتِ بنتي يا سلمى… والشر مهما طال ومهما افتكر نفسه قوي، نهايته دايماً بتكون زي ورق الكوتشينة وسط النــ,,ـــــار.”