منوعات

حكايات سما سامح 3كامله

بدأ الميكروباص يتمايل بعنــ,,ـــــف مع سرعته الجنونية في المنحنيات الضيقة للطريق الصحراوي، وصوت كاوتش العربية بيصرخ على الأسفلت كان بيخرم ودني. أنا كنت قاعدة ورا، ضامة ركبي لصدـ,,ـــري ومغمضة عيني، وبدعي إن ده كله يطلع كابوس وأصحى منه ألاقي ماما بتصحيني عشان أروح المدرسة. حسن كان قاعد جنب السواق، وشه كان متخشب وعروق رقبته بارزة من كتر الغضب. فجأة، طلع جهاز تابلت صغير من شنطة جلد كانت معاه، ووصل فيه الكارت الميموري اللي أخده من ياسين، وبدأ يحاول يفتح الملفات.

دقايق من الصمت المريب، وبعدها، صرخة غضب مكتومة طلعت من صدـ,,ـــره خلت السواق يترعش في مكانه. حسن خبط التابلت بإيده بقوة، وبص ليا وعينيه بتطلع نــ,,ـــــار، وصرخ بصوت زلزل العربية: “ياسين! الكلب خدعني! الملفات مشفرة وممسوحة… ده كارت فاضي!” حاولت أبعد بجسمي لورا وأنا برتجف من الخوف، ودموعي بتنزل في صمت: “أنا… أنا معرفش حاجة… والله ما أعرف.” حسن قام من كرسيه، وجالي ورا، مسك ذراعي بقوة لدرجة إني حسيت عظمه هيتكسر، وقرب وشي من وشه لدرجة إني شميت ريحة سجاير وحقد طالعة منه، وقال بصوت واطي ومرعب:

“أنتِ عارفة حاجة يا سلمى. أنتِ عشتي معاه في المكتب ساعات. أكيد سلمهولك، أو قالك مكانه فين. انطقي… فين الكارت الأصلي؟” “والله ما قالي حاجة!” صرخت بانهيار، “هو كان بيحاول يساعدنا بس… أنت اللي وحش! أنت اللي بعدتنا عن ماما كل السنين دي!” رفع إيده عشان يضــ,,ـــــربني، لكنه وقف فجأة، ورسم على وشه ابتسامة شيطانية وهو بيبص للسواق: “نزلنا عند المخزن القديم اللي على الكورنيش، بسرعة! ياسين أكيد ميعرفش إني عندي خطة تانية.”

طول الطريق، كان بيكلم حد على تليفونه، صوته كان هادي ومسموم: “اسمع يا شريف… اللعبة باظت هنا، والشرطة في كل حتة. لازم نغير الخطة. البنت معايا… أيوه، البنت اللي معاها مفتاح اللغز. ياسين مش هيجازف بحياتها. جهز مركب سري عند المرسى رقم ٥. هروح هناك، وهخليه يجيب الكارت الأصلي، ومعاه… الست نادية.” اتحجرت الدموع في عيني. ماما! لسه عايز ماما. هو مش مكتفي بيا؟ عايز يرجع ياخد ماما كمان عشان يضمن إن ياسين يجيله؟

وصلنا لمكان مقطوع ومظلــ,,ـــــم على النيل، عبارة عن مرسى قديم ومتهالك، ريحة المية فيه معفنة ومخلوطة بريحة الصدأ. حسن شدني من إيدي، وأخدني معاه جوه عنبر قديم كان ريحته تراب ورطوبة. قعدني على كرسي حديدي صدئ، وربط إيديا ورا ضهري بحبل خشن، ورمى تليفوني قدامي على الأرض. قعد قدامي على كرسي تاني، وطلع تليفونه الشخصي وطلب رقم ياسين. رد ياسين بسرعة، وصوته كان باين عليه إنه بيجري وبيلهث، وبمجرد ما سمع صوت حسن، زعق بجنون:

“حسن! اسمعني يا واطي! لو لمست شعرة من سلمى، وحياة اللي خلقني ما هرحمك! سلمى ملهاش ذنب في ألاعيبنا!” حسن ضحك ببرود: “سلمى في أمان… لحد دلوقتي. اسمعني كويس يا ياسين. قدامك ساعة واحدة. تجيب الكارت الأصلي، ومعاه نادية… إيوة، نادية. أنت خدتها مني في المصنع، رجعهالي هنا في المرسى القديم. لو مجيتش، أو لو بلغت البوليس، سلمى مش هتشوف نور الشمس تاني.”
“إزاي أجيب نادية وهي في المستشفى بعد اللي حصل؟ أنت مجنون؟!” “دي مشكلتك يا ياسين. اتصرف. ساعة واحدة… التيك توك بدأ.”

قفل حسن الخط، ورمى التليفون. بصلي بشفقة مزيفة وقال: “عارفة يا سلمى… أنا كنت بحبك، كنت بحلم إنك تكبري وتكوني وريثتي، تبني معايا الإمبراطورية دي. بس الغباء اللي أمك زرعته فيكي خلاكي تشوفي فيا عدو.” “أنت اللي اخترت تكون عدو لنفسك ولنا…” رديت بصوت مخنوق ومحاوله أكون شجاعة، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبول. حسن قام وبدأ يتمشى في العنبر، وفجأة، سمعنا صوت عربية بتقرب، وصوت ضــ,,ـــــرب نــ,,ـــــار خفيف من بعيد. حسن اتوتر وبدأ يبص من فتحة صغيرة في الحيطة.

“شرطة؟ لا… دول مش شرطة. ده ياسين!” ياسين كان لوحده؟ ياسين غامر وجيه لوحده عشان ينقذني؟ فجأة، انفتح باب العنبر بقوة، ودخلت مجموعة من الرجالة الملثمين اللي كانوا مع حسن، ومعاهم شخص تاني… شخص كان وشه متغطي بقناع، وكان ماسك س/لاحه وداخل بكل ثقة. حسن بص للملثم الجديد باستغراب: “أنت مين؟ أنا مقلتلكش تيجي هنا!” الشخص ده شال القناع ببطء… كان حازم! ابن أخت ياسين، اللي المفروض يكون في الحجز. حازم بصلنا، وعينه كانت بتلمع برغبة في الانتقام:

“أنا جيت عشان أخلص اللعبة دي بنفسي يا خالي… يا حسن. أنت وياسين دمرتوا حياتي، وخدعتوني، ورميتوني في وش المدفع. دلوقتي… اللي معاه البنت هو اللي هيكسب، واللي معاه الكارت هو اللي هيحكم.” حسن اتنرفز وطلع مسدسه، وحازم طلع مسدسه… العنبر بقى فيه تلاتة أعداء، وأنا في النص، مربوطة ومكتفة، والمصير مجهول تماماً. حسن صرخ: “نزل س/لاحك يا حازم، أنت مش قد اللعبة دي!” حازم ضحك: “أنا اللي رسمت اللعبة دي من الأول يا عمي… أنا اللي سرقت الكارت من مكتب ياسين، وأنا اللي خليتكم تتخانقوا وتدمروا بعض. ودلوقتي… حان وقت النهاية.”

قبل ما حد فيهم يتحرك، انطلقت رصاصة من مكان مجهول جوه العنبر… والمكان كله ولع نــ,,ـــــار! صوت الانفجار ورائحة البارود ملأت العنبر المهجور في ثوانٍ معدودة. الرصاصة اللي انطلقت مكنتش عشوائية، دي صابت أسطوانة غاز قديمة كانت مرمية في ركن العنبر، وانفجرت بقوة خلت السقف الصاج يتهز ويتهاوى منه حتت حديد مولعة نــ,,ـــــار. الكل اترمى في الأرض من شدة الانفجار. حازم ورجالته جريوا ورا العواميد الخرسانية وهم بيضــ,,ـــــربوا نــ,,ـــــار بغزارة، وحسن زحف بسرعة على الرمل وهو بيصرخ وبيدور على شنطته والتابلت اللي وقعوا منه.

أنا كنت لسه مربوطة في الكرسي الحديد، والكرسي اتقلب بيا على جنب من قوة الهزة. النــ,,ـــــار بدأت تنتشر بسرعة في الخشب القديم والكرتون المرمي حواليا، وكنت حاسة بسخونية اللهب وهي بتقرب من رجلي وجسمي الصغير بيرتعش من الرعب. صرخت بكل صوتي والدموع والتراب مغطيين وشي: “الحقوني! أنا همــ,,ـــــوت هنا! يا ماما الحقيني!” في وسط سحب الدخان الأسود الكثيف اللي بدأت تخنق المكان، انفتح الباب الجانبي للعنبر بقوة، وظهر منه ظل راجل بيجري وسط النــ,,ـــــار وبيمر من بين الرصاص بدون ما يهمه حياته.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى