منوعات

حكايات سما سامح 2 كامله

وصلنا منطقة وادي حوف. الطريق بدأ يبقى ضلمة ومكسر، والمصانع القديمة المهجورة كانت بتظهر على الجانبين زي الأشباح في ضلمة الليل اللي بدأ ينزل. الجو كان بارد ومخيف بشكل غريب. ياسين كان سايق بهدوء، وعينه على المراية بيراقب عربيات الشرطة المدنية اللي كانت ماشية وراه بمسافات متباعدة عشان متلفتش النظر. فجأة، تليفونه رن تاني بنفس الرقم البرايفت. ياسين رد بسرعة: “أنا على بعد دقيقتين من اللوكيشن… والبنت معايا والكارت في جيبها.” الصوت المبحوح رد بلؤم:

“عظيم… ادخل من البوابة الحديدية المكسورة للمصنع رقم ٤ اللي على شمالك. واطفي النور بتاع العربية تماماً… وأول ما تقف، انزل أنت والبنت ورجليكم لفوق.”
ياسين قفل الموبايل، وبصلي في المراية وقال وصوته مليان توتر بس بيحاول يطمني: “سلمى… اسمعيني كويس. أول ما نقف، أنا هنزل الأول. لو حصل أي حاجة، أو سمعتي صوت ضــ,,ـــــرب نــ,,ـــــار، انزلي واجري في عكس الاتجاه واستخبي ورا الطوب القديم لحد ما الشرطة توصلك… فاهمة يا حبيبتي؟” هزيت راسي وأنا برتعش من الرعب والبرد.

دخلنا من البوابة الحديدية الضخمة المصدية. المكان كان ضلمة كحل، ومفيش غير كشافات الميكروباص الأسود المخطوف فيه ماما هي اللي منورة المكان وبتضــ,,ـــــرب في وشنا بقوة وتعمي عينينا. ياسين وقف العربية، واطفي النور. ونزل ونزلني معاه وهو ماسك إيدي بقوة وبيحاول يداري جسمي الصغير وراه. في نص الساحة الترابية الواسعة للمصنع المهجور، كان واقف تلات رجالة ضخام ولابسين أقنعة سودا، وماسكــ,,ـــــين س*لاح في إيديهم. وفي النص بينهم… كانت ماما نادية قاعدة على كرسي خشبي، مربوطة بالحبال، وعلى راسها كيس أسود وجسمها كله بيترعش من الخوف والبكا.

أول ما شوفتها صرخت من غير ما أحس: “ماماااااا!” ماما سمعت صوتي واتنفضت على الكرسي وهي بتحاول تصرخ من تحت الكتمة: “سلمى؟! سلمى لأ! امشوا من هنا!” واحد من الملثمين تقدم خطوتين ورفع س*لاحه في وش ياسين وقال بخشونة: “الكارت الأول… ارميه في الأرض هنا وحرك البنت لعندي.” ياسين مد إيده ببطء وطلع الكارت الميموري من جيبه، ولسه هيتكلم ويقول شروطه… فجأة، من ورا جدران المصنع المهدمة، ظهر راجل لابس بدلة أنيقة جداً وجزمة بتلمع في وسط التراب، وبدأ يصقف ببرود واستهزاء وهو بيمشي ناحيتنا بخطوات بطيئة.

الرجالة الملثمين وطوا راسهم باحترام ليه. الراجل وقف في النور، وبان وشه بوضوح تحت ضوء كشافات الميكروباص… مكانش شريف الغرباوي! ياسين أول ما شاف وشه، تراجع خطوة لورا وصدمة مرعبة لجمت لسانه، وعينيه بقت هتطلع من مكانها وهو بيهمس بنبرة مليانة رعب وعدم تصديق: “أنت؟! مش ممكن… أنت عايش؟! إزاي؟!” الراجل اللي واقف في الضلمة ضحك ضحكة هادية ومستفزة، ضحكة خالية من أي مشاعر وكأنها طالعة من مقبــ,,ـــــرة. قلع النظارة الشمسية اللي كان لابسها بالرغم من إننا بالليل، وبص لياسين بنظرة كلها شماتة وغرور.

ياسين كان واقف متجمد، ملامح وشه كانت شاحبة لدرجة تخوف، وكأنه شاف شبح حقيقي واقف قدامه. همس وصوته بيترعش لدرجة إنه مكنش قادر يطلع الحروف: “حسن؟! حسن الشهاوي؟!… أنت عايش؟! إزاي؟ إحنا دفــ,,ـــــناك بإيدينا من خمس سنين!” أنا عقلي وقف عن التفكير. الاسم ده هز كياني كله. “حسن الشهاوي”؟ ده اسم بابا! بابا اللي كنت بصلي وأدعي له كل ليلة، بابا اللي صورته متعلقة في الصالة وماما كانت بتعيط كل ما تبص لها. بصيت للراجل ده بتركيز… كان فيه شبه كبير من الصور اللي شوفتها، نفس العينين، ونفس الوقفة، بس الملامح كانت أقسى بكتير وخالية من أي حنان.

ماما نادية أول ما سمعت صوته، بدأت تتحرك بهستيريا على الكرسي وهي مربوطة، وطلعت منها صرخة مكتومة ومخنوقة من تحت الكيس الأسود اللي مغطي راسها، كأنها كانت عارفة الحقيقة دي من الأول أو اتصدمت بيها في لحظتها. حسن مشي خطوتين تلاتة ناحيتنا، ووقف على بعد مترين بس من ياسين. حط إيديه في جيوب بنطلونه وقال ببرود قاتل: “أهلاً يا ياسين… أهلاً يا شريكي القديم. الصدمة شديدة عليك صح؟ معلش، المــ,,ـــــوت بيبقى تمثيلية سهلة أوي لما يكون معاك الفلوس اللي تشتري بيها ذمم الدكاترة والمحققين.”

ياسين صرخ فيه وهو بيحاول يستوعب الكارثة: “ليه يا حسن؟! ليه تعمل كده فينا؟ وفي كرامتك وأمانتك؟ أنا عشت خمس سنين حزين عليك، وكنت بقلب الدنيا عشان ألاقي نادية وبنتك سلمى وأديهم حقهم! ليه تخليهم يعيشوا في الفقر والجوع والبهدلة دي كلها وأنت عايش وبتلعب بالملايين من ورا الستار؟!” حسن وشه اتقلب فجأة وبقى شكله مرعب، الغل والحقد ظهروا في عينيه وهو بيقرب من ياسين أكتر وزعق:

“حقهم؟! أنت لسه كداب وممثل بارع يا ياسين! أنت طول عمرك كنت بتاخد اللقطة والشهرة، وأنا المهندس العبقري اللي بيشتغل في الضلمة! الاختراعات دي بتاعتي أنا! التصميمات دي تعبي أنا! ولما جيت أطلب حقي الحقيقي، قولتلي إننا شركاء بالنص والشركة باسم المنشاوي! كان لازم أختفي… كان لازم أمــ,,ـــــوت عشان أقدر أشتغل مع شريف الغرباوي من تحت لتحت، وأبني إمبراطوريتي الخاصة بعيد عن جشعك!” بص ناحيتي، وعينيه نزلت عليا. للحظة حسيت ببرودة في جسمي كله لما عينيه جت في عيني. مكنش فيها أي نظرة أبوة أو شوق. قال بنبرة جافة:

“أما بالنسبة لنادية وسلمى… فدول كانوا كارت الأمان بتاعي. كان لازم يفضلوا عايشين في فقر وتحت المراقبة عشان لو فكرت يا ياسين تغدر بيا أو تستغل التصميمات دي، أقدر أضغط عليك بيهم في أي وقت. حازم كان شغال معايا من الأول… هو اللي كان بيبعدك عنهم، وهو اللي رتب لسرقة الكارت من مكتبك.” دموعي نزلت زي المطر، وصدمتي في بابا اللي كنت بفتخر بيه قدام أصحابي في المدرسة دمرتني من الجوا. صرخت فيه بصوت طفولي مقهور:

“أنت مش بابا! بابا حبيبي مات… بابا ميعملش كده في ماما! ميسيبناش جعانين ونطرد في الشارع!” حسن بصلي ببرود ومن غير ما تتهز فيه شعرة وقال: “اكبري يا سلمى واعرفي إن الدنيا دي مفيهاش مكان للضعفاء والغلابة… الضمير اللي أمك علمتهولك ده مش هيأكلك عيش، وأهو كان هيرميكي في الشارع لولا إن المحفظة وقعت في طريقك بالصدفة.” التفت لياسين ومد إيده بصرامة:

“كفاية كلام لحد كده… وقت اللعب خلص. هات الكارت يا ياسين… الكارت الأصلي اللي في جيبك. متمثلش وتديني كارت وهمي، لأن حازم بعتلي رسالة قبل ما يتمسك وقالي إنك كشفت اللعبة، وأنا عارف إنك مأمن نفسك… بس أنا كمان مأمن نفسي.” شاور بإيده لواحد من الرجالة الملثمين. الراجل سحب مسدسه وحطه مباشرة على راس ماما نادية، وعمر الس*لاح بصوت مسموع ومرعب في وسط ضلمة وسكون المكان. حسن كمل بتهديد واضح: “الكارت الأصلي دلوقتي… وإلا هتشوف دماغ مرات صاحبك القديم بتطير قدام عينيك وعين بنتها.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى