ياسين بوز الرنين بتاع التليفون وهو بيبصلي بنظرة رعب حقيقية، كأن جبال هموم الدنيا كلها نزلت فوق كتافه في لحظة واحدة. شاورلي بإيده وعينه مبرقة عشان أسكت تمامًا، وصدـ,,ـــره كان بيعلو ويهبط من كتمة النفس. بصباعه اللي كان بيترعش بوضوح، ضغط على زرار الإجابة وفتح السبيكر. طلع من التليفون صوت غريب، مبحوح ومتحشرج بشكل غريب، واضح إنه متعدل بجهاز تغيير الأصوات عشان ميتعرفش. الصوت كان بارد زي التلج، وخالي من أي رحمة: “الباشمهندس الكبير ياسين المنشاوي… عاش من سمع صوتك يا راجل يا طيب.”
ياسين اتنفس بقوة، وحاول يسيطر على نبرة صوته المذعورة، وقال بقوة وجفاء وهو بيضغط على سنانه: “أنت مين؟ وعايز إيه؟ والست اللي خطفتوها ملهاش ذنب في أي حاجة من قذارتكم… رجعوها فورًا وحسابكم معايا أنا!” ضحكة خبيثة، متقطعة ومقززة طلعت من التليفون، وهزت جدران المكتب الهادي: “تؤ تؤ… بلاش النبرة دي يا باشمهندس، أنت مش في موقف يسمحلك تتنـ,,ـــــطط ولا تؤمر. إحنا اللي بنقول الشروط هنا. الست نادية منورة عندنا، وفي الحفظ والصون… لحد دلوقتي! بس ده كله معتمد عليك أنت.”
ياسين سأله وعينه متبتة عليا وأنا كاتمة صرختي بإيدي والدموع مغرقة وشي: “شروطكم إيه؟ فلوس؟ عايزين كام؟ انطق!” الصوت رد بسخرية: “فلوس؟ هههه… الفلوس دي بنلعب بيها يا منشاوي. إحنا عايزين اللي أغلى من الفلوس بكتير. الكارت الميموري الصغير اللي رجعلك في المحفظة البني من شوية… الاختراعات وتصميمات المحطة الشمسية الجديدة كاملة. الكارت ده تسلمهولنا، وتاخد قصاده الست نادية سليمة. لو فكرت تبلغ الشرطة، أو تلعب بديلك مع الأمن، ترحم على الست نادية… والجميل في الموضوع، إنك مش هتسلمنا الكارت لوحدك.”
ياسين عقد حواجبه برعب: “يعني إيه؟” الصوت كمل بنبرة آمرة: “يعني تجيب معاك البنت الصغيرة… سلمى بنت حسن الشهاوي. لازم تيجي معاك وهي ماسكة الكارت في إيدها. قدامكم بالظبط تلات ساعات. هتبعتولنا الكارت والبنت على اللوكيشن اللي هبعتهولك في رسالة حالاً. لو اتأخرتوا دقيقة واحدة، أو لو المحفظة والكارت موصلوش كاملين، انسى إنك تشوف نادية تاني… واه، لو البنت مجتش معاك، أو لو حركت رجالة الأمن بتوعك، الميكروباص الأسود مجهول الهوية هيدوس على جثتها ويرميها في الصحراء. سلام يا باشمهندس.”
الخط قطع. الصوت سكت. والهدوء المرعب رجع تاني يسيطر على المكتب، بس المرة دي كان هدوء بطعم المــ,,ـــــوت. أنا انهرت تمامًا وقعدت في الأرض، وبقيت بصرخ بهستيريا وأنا بضــ,,ـــــرب على رجلي: “ماما… هياخدوا ماما مني! والنبي يا عمو ياسين رجعلي ماما… مليش غيرها في الدنيا دي! أنا خايفة أوي…” ياسين ساب التليفون وجري عليا بسرعة، قعد في الأرض جمبي وأخدني في حــ,,ـــــضنه بقوة وهو بيطبطب على ضهري ودموعه هو كمان بتنزل على كتافي:
“والله العظيم يا سلمى ما هسيبها. والدتك دي أخت غالية، ومرات أنضف وأرجل صاحب شوفتوا في حياتي. حق أبوكي وحق أمك في رقبتي ليوم الدين. أنا مش هسمح لأي كلب يلمس شعرة منها.”
شالني من الأرض وقعدني على الكنبة، وبدأ يمسح دموعي بمنديل وهو بيحاول يظهر قوي ومتماسك عشان يطمني: “اسمعيني يا سلمى يا حبيبتي… لازم تكوني قوية دلوقتي زي بابا الله يرحمه. البكاء مش هيفيدنا بحاجة. إحنا قدامنا تلات ساعات، والناس دي محترفين وراهم حد تقيل أوي بيحركهم من ورا الستار… تفتكري مين اللي له مصلحة يطلب الكارت ده ويطلبك أنتِ بالذات؟”
هزيت راسي برعب وأنا بقول بصوت متقطع: “أنا معرفش حد… إحنا طول عمرنا عايشين في حالنا، وماما كانت بتشتغل بالخياطة وتعبانة عشان تصرف عليا.” ياسين وقف وبدأ يمشي في المكتب ذهابًا وإيابًا وهو بيفكر بعمق وغضب، وفجأة عينيه برقت وقال بصوت واطي: “حازم! حازم هو الخيط الوحيد! الكلب ده هو اللي رتب لسرقة الكارت من أسبوع، وهو اللي كان بيراقبكم وعارف مكانكم وبيحاول يطردكم… أكيد شركاءه بره عرفوا إن أمره اتكشف وإن المحفظة رجعتلي، فقرروا يلعبوا الكارت الأخير ويخطفوا والدتك عشان يضغطوا عليا!”
جرى بسرعة على التليفون وطلب مكتب الأمن اللي تحت وزعق: “خلوا حازم معايا على الخط فوراً! افتحوا السبيكر عليه!” بعد ثواني، ظهر صوت حازم وهو بيبكي ويترجى من تحت: “خالي… والنبي يا خالي سامحني! أنا مكنتش أعرف إن الأمور هتوصل لكده! أنا والله ماليش دعوة بخطف الست نادية! هما اللي هددوني وعملوا كده!” ياسين زعق فيه بغضب أعمى: “مين هما يا كلب؟! انطق فوراً قبل ما أنزل أخلص عليك بإيدي! مين اللي اتفقت معاهم يسرقوا الكارت ومين اللي خطفوا الست نادية دلوقتي؟!”
حازم قال بنبرة مرعوبة ومتلعثمة: “ده… ده شريف الغرباوي! صاحب شركة الغرباوي للمقاولات والطاقة البديلة المنافسة لينا… هو اللي أغراني بالملايين عشان أديله التصميمات وبراءة الاختراع بتاعة حسن الشهاوي… وهو اللي قاللي إنه هيهجر عيلة حسن بعيد عشان ياسين ميوصلهمش أبداً وتفضل التصميمات باسم شركته الجديدة… ولما عرف إن البنت لقت المحفظة وجاية تديها ليك، رجالته اتصرفوا وخطفوا والدتها عشان يلحقوا اللعبة قبل ما تبوظ!” ياسين قفل السكة في وش حازم وهو بيتنفس بصعوبة. الغضب كان مخليه زي الأسد الجريح. بص للكارت الصغير اللي على مكتبه، وبعدين بصلي وقال بنبرة مليانة تصميم:
“شريف الغرباوي… الحوت اللي فاكر نفسه فوق القانون. طيب يا شريف، اللعب معايا هيكون على المكشوف.” ياسين طلب سليم السكرتير التنفيذي، ودخل المكتب بسرعة ومعاه لاب توب وجهاز صغير. ياسين قال لسلّيم بصوت حازم: “سليم… هات كارت ميموري فاضي من نفس النوع، وحط عليه ملفات وهمية تالفة مشفرة متفتحش أبداً… الكارت الأصلي ده هيفضل هنا في خزنة المكتب الفولاذية. ومحدش هيلمسه.” أنا وقفت بسرعة وقلتله وخوفي بيزيد: “بس يا عمو… هما قالوا لو الكارت مش شغال أو مش كامل هيمــ,,ـــــوتوا ماما!”
ياسين قرب مني وحط إيده على راسي بحنان:
“يا حبيبتي، هما لو خدوا الكارت الأصلي وشغال، هيق*تلوا أمك ويق*تلوكي ويقت*لوتني أنا كمان عشان يداروا على جري*متهم وميبقاش فيه شهود. هما مش عايزين يسيبوا أي أثر. لكن الكارت الوهمي ده هيكون الطُعم اللي هيخليهم يستنوا ويدونا وقت نتــ,,ـــــحرك ونكشف مكانهم.” سليم السكرتير قال بقلق وهو بيبص لشاشة اللاب توب: “يا فندم… الرسالة وصلت على تليفون حضرتك… اللوكيشن في منطقة المصانع القديمة المهجورة في وادي حوف بحلوان. المكان هناك صحراوي ومقطوع تماماً، ومفيش أي تغطية كاميرات هناك.”
ياسين بص لسليم وقال بصرامة: “كلم اللواء رأفت الصاوي في وزارة الداخلية فوراً، قوله ياسين المنشاوي محتاج دعم من العمليات الخاصة بملابس مدنية وبدون صفارات إنذار… شريف الغرباوي خاطف عيلة صاحبي ومهدد بقت*لهم.” وبعدين التفت ليا وبص لملامحي المنهكة والتراب اللي مغطي فستاني، وقال بنبرة دافية: “سلمى… أنتِ هتفضلي هنا في المكتب مع الحراسة، وأنا هروح بالنسخة الوهمية مع قوات الشرطة وهنجيب والدتك ونرجع.” صرخت بسرعة ودموعي نزلت تاني: “لأ! لأ يا عمو ياسين أرجوك! هما قالوا لازم أكون معاك! لو شافوك لوحدك هيعرفوا إنك بلغت وهيقت*لوا ماما فوراً! أنا لازم أروح معاك! أرجوك متبعدنيش عن ماما!”
ياسين حاول يقنعني ويهديني، لكن صممت وبكيت لدرجة إن نفسي بدأ يتقطع تاني. كان عارف إن الخاطفين ممكن يكونوا مراقبين محيط المصنع، ولو ملحوش وجود طفلة معاه، ممكن ينفذوا تهديدهم في ثواني قبل ما الشرطة تتدخل. تنهد بيأس وخوف حقيقي عليا وقال: “ماشي يا سلمى… هتيجي معايا. بس هتفضلي في العربية ورا الزجاج الأسود المغلق تماماً ومتحركيش مهما حصل، والشرطة هتكون محاصرة المكان من كل الجهات بدون ما حد يحس.”
غيرت فستاني المبهدل بطقم رياضي مريح السكرتيرة جابتهولي بسرعة من محلات البرج، وركبنا العربية الجيب السودا الكبيرة بتاعة ياسين. طول الطريق اللي أخد حوالي ساعة ونص لحد حلوان، كنت باصة من الشباك وضامة رجلي لصدـ,,ـــري، وجوايا شريط ذكريات طويل مع ماما… ضحكتها، تعبها، لقمة العيش اللي كنا بنقسمها سوا، وصوتها وهو بيقولي: “إحنا معندناش فلوس يا سلمى… بس عندنا ضمير.”
