هـ,ـجم شريف عليّ مثل الكلب المسـ,ـعور ليمسك بيدي، وفي تلك اللحظة الحرجة… سمعنا جميعًا صوت دوي هائل عند بوابة الفيلا! صوت سرينات الشرطة وهي تملأ المكان، وصوت كسر الباب الخارجي الحديدي للفيلا بقوة… وقبل أن يستوعب شريف أو فردوس ما يحدث، انفتحت أبواب الصالة الكبيرة ودخل المستشار عدلي وخلفه ضباط الشرطة ورجال الأمن المسلحين يملأون المكان! صرخ الضابط بقوة: — محدش يتحرك من مكانه! شريف الشناوي، وفردوس الشناوي… أنتوا مقبوض عليكم بتهم التزـ,ـوير، والابتـ,ـزاز، والتهـ,ـديد، وتسهيل إجراءات طبية غير قانونية!
### الهـ,ـروب الأخير واللغز المتبقي في وسط هذه الفوضى العارمة، جرى الضباط وقبضوا على شريف الذي كان يقاوم بجنون، بينما سقطت فردوس هانم على الأرض وهي تصرخ وتدعي المرض والنوبة القلبية. جريتُ نحو سلمى وحضـ,ـنتها بقوة، وكان جسدها يتزلزل من شدة الخوف. قلت لها بدموع الفرح: — خلاص يا حبيبتي… الكابوس انتهى… إنتِ معايا وفي حضني ومحدش هيقدر يلمسك تاني. خرجنا من الفيلا مع المستشار عدلي والشرطة تقود شريف وفردوس في سيارات الترحيلات. لكن، وأنا أخطو خارج بوابة الفيلا الملعونة، لمحت طيفًا يتحرك بسرعة في الظلام وراء إحدى الشجيرات الكبيرة في الحديقة.
وقفت ونظرت بدقة… كانت **أمينة الخدامة**! كانت تنظر إلينا بعيون مليئة بالرعب، وأشارت لي بيدها بحركة سريعة ومريبة للغاية، وكأنها تحذرني من شيء ما… ثم ألقت بورقة صغيرة مطوية على الأرض وجرت واختفت تمامًا في ظلام الليل قبل أن يلمحها أحد من رجال الشرطة. التفتُّ بسرعة والتقطتُ الورقة من على الأرض وفتحتها تحت ضوء عمود الإنارة الخافت أمام الفيلا. كان مكتوبًا في الورقة بخط يد أمينة المرتعش:
> *”يا أم سلمى… الملعوب أكبر من اللي أنتوا كشفتوه في الفيلا… دكتور مستشفى الرحمة كلم شريف قبل ما تيجوا بنص ساعة وقاله إن شريف مش عقيم… شريف بيخلف عادي والتقرير القديم كان ملعوب من حماتك فردوس عشان تسيطر على كل حاجة… والطفل اللي في بطن سلمى هو ابن شريف الحقيقي… بس المصيبة الكبيرة إن…”* وتوقفت الكتابة فجأة وكأن أحداً ما هجم عليها أو قطع كتابتها! تسمرتُ في مكاني، وشعرت أن الدائرة تدور بنا من جديد… إذا كان شريف ليس عقيمًا، وكان الطفل ابنه الحقيقي… فلماذا فعلت فردوس كل هذا؟ وما هي “المصيبة الكبيرة” التي لم تستطع أمينة إكمال كتابتها؟!
تسمرتُ في مكاني تحت ضوء عمود الإنارة البارد والورقة ترتعش بين أصابعي. التفتُّ حول ملامح بنتي “سلمى” التي كانت تستند على كتف المستشار عدلي وهي تبكي من فرط التعب والمهدئات. أطبقتُ كفي على رسالة “أمينة” وأخفيتها في جيبي. كانت همسات الرياح في تلك الليلة الخريفية تحمل معها أنفاس مؤامرة أعمق بكثير مما تخيلنا. ركبنا سيارة المستشار عدلي، وبمجرد أن تحركنا بعيداً عن أسوار تلك الفيلا الملعونة، التفتُّ إلى عدلي بيه وقلت له بصوت خافت حتى لا تسمعنا سلمى التي غلبها النوم من التعب:
— سيادة المستشار… اللعبة لسه مخلصتش. أمينة رمتلي ورقة قبل ما نمشي. أعطيته الورقة، فقرأها تحت ضوء تابلوه السيارة، وشاهدت عينيه تتسعان بذهول حقيقي. همس بقلق: — شريف مش عقيم؟! والطفل ابنه؟ طيب ليه فردوس هانم تقنع ابنها إنه عقيم، وتعمل كل الفيلم ده مع سلمى؟ وما هي المصيبة الكبيرة اللي أمينة مقدرتش تكملها؟
لم ننم ليلتنا تلك. أودعنا سلمى في مستشفى آمن تحت رعاية طبيب موثوق من أصدقاء المستشار عدلي للاطمئنان على صحتها وعلى الجنين، وتأمينها بحراسة خاصة. وفي الصباح الباكر، كان المستشار عدلي قد استخدم علاقاته ونفوذه القانوني للحصول على أمر من النيابة للتحقيق مع الدكتور “مدحت”، صاحب مستشفى “الرحمة” والمقرب من فردوس هانم، والقبض عليه على ذمة التحقيقات بتهمة تزوير التقارير الطبية. ### اعتراف خلف القضبان
في غرفة التحقيق المظلمة بالنيابة، وبفضل التسجيلات الصوتية الدامغة التي قدمناها، انهار الدكتور مدحت سريعاً خوفاً من خسارة رخصته الطبية وقضاء بقية عمره في السجن. جئتُ مع المستشار عدلي لنستمع إلى اعترافه الصادم الذي كشف اللغز بأكمله. قال الدكتور مدحت وهو يرتجف: — أنا هقول كل حاجة… بس ارجوكم اعفوني من السجن. فردوس هانم هي اللي خططت لكل ده من سنين! شريف لما كان شاب عمل حـ,ـادثة صعبة، وفردوس استغلت الحـ,ـادثة دي وزورت تحاليل طبية تقنع بيها شريف إنه عقيم تماماً ومبيخلفش.
سأله وكيل النيابة بحدة: — وليه أم تقنع ابنها الوحيد بحاجة زي دي؟ رد الدكتور وعيناه زائغتان: — عشان السيطرة! شريف شخصيته قوية وعنـ,ـيد، وفردوس كانت عارفة إنه لو اتجوز وخلف وعاش حياته الطبيعية، هيستقل عنها وعن ثروته ومبقاش ليها كلمة عليه. لما أقنعته إنه عقيم، دمـ,ـرت ثقته بنفسه وخلته دايماً حاسس بالنقص ومحتاج ليها في كل خطوة… والوصية بتاعة جده اللي اشترطت وجود طفل عشان يورث، كانت الفرصة الذهبية لفردوس. هي اللي اختارت سلمى بالذات لأنها يتيمة الأب ومن عيلة بسيطة ومش هتقدر تدافع عن نفسها.
صمت الطبيب لحظة، ثم تنهد وقال الكلمة التي كشفت المـ,ـصيبة الكبيرة: — فردوس اتفقت معايا نعمل عملية تلقيح مجهري لسلمى من شريف… شريف نفسه افتكر إن النطفة من متبرع غريب لأن أمه أقنعته بكده، وسلمى افتكرت إنها مجرد عملية تنشيط مبايض. فردوس كانت بتخطط لـ”ضـ,ـربة مزدوجة”… بعد ما سلمى تولد الطفل، فردوس كانت مجهزة تحليل DNA حقيقي يثبت إن الولد ابن شريف فعلاً عشان يورث المليارات قانوناً… وفي نفس الوقت، كانت هتقدم لشريف تحاليل مزـ,ـورة تانية تقنعه إن سلمى خـ,ـانته مع حد تاني عشان يطلقها ويرميها في السجن بتهمة الزنا وإيصالات الأمانة، ويقنعوا المحكمة إنها مجنونة عشان تسقط حضـ,ـانتها!
وبكده، الولد يفضل في حضن شريف وفردوس، والمليارات تضمنها فردوس، وتخلص من سلمى للأبد ومحدش يكتشف لعبتها القديمة مع ابنها! ساد الصمت الغرفة. شعرتُ برعشة من هول الشـ,ـيطان الذي كان يعيش في جسد تلك المرأة. لقد دمـ,ـرت نفسية ابنها قبل زوجة ابنها لمجرد حب السيطرة والمال! ### النهاية السعيدة لعدالة الأرض بعد ثلاثة أشهر من تلك الليلة العصيبة، كانت أروقة المحاكم قد شهدت نهاية إمبراطورية الشر لعائلة الشناوي: * **فردوس هانم:** حُكم عليها بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات بتهم التزوير في أوراق رسمية، والابتـ,ـزاز بالتهـ,ـديد، وتلفيق تقارير طبية، والمشاركة في عملية طبية بدون رضا المريض.
* **شريف:** حُكم عليه بالسجن لمدة 3 سنوات بتهمة التهـ,ـديد واحتجاز حرية زوجته، لكن الصدمة الكبرى له كانت معرفته بخدعة أمه له طوال حياته؛ حيث انهار تماماً في المحكمة وأصيب بصدمة نفسية حادة بعدما أدرك أنه دمـ,ـر زوجته التي كانت تحبه وضيع ابنه الحقيقي بيديه بسبب طاعته العمياء لأمه الشـ,ـيطانية. * **الدكتور مدحت:** تم سحب ترخيصه الطبي وإغلاق مستشفى “الرحمة” وحكم عليه بالسجن 5 سنوات. * **أمينة الخدامة:** تم تبرئتها من تهمة السـ,ـرقة بفضل شهادة المستشار عدلي وشهادتنا، وقدمنا لها مكافأة مالية كبيرة تقديراً لشجاعتها التي أنقذت ابنتي.
أما بنتي **سلمى**… فقد عادت معي إلى بيتنا الدافئ البسيط. استعادت ضحكتها تدريجياً وسط حمايتي وحب أخيها الصغير. وبعد مرور عدة أشهر، وفي ليلة شتوية دافئة، امتلأ بيتنا الصغير بصوت صراخ طفل صغير… “يوسف”، الذي ولد سليماً ومعافى ليملأ حياتنا بالبهجة. نظرتُ إلى سلمى وهي تحتـ,ـضن طفلها بحب حقيقي، وأمسكتُ يدها قائلة: — شوفتي يا حبيبتي؟ الفلوس والقصور عمرها ما كانت أمان… الأمان الحقيقي هو إننا ننام وسط ناس بتخاف علينا وبتحبنا من غير تمن.
ابتسمت سلمى والدموع في عينيها، وقبلت رأس طفلها وهي تهمس: — الحمد لله يا ماما… الحمد لله إني رجعتلك.