أول ما المضيفة قفلت الباب، دياب لف وشه ناحية الشباك ولزق جبهته في الإزاز البارد. ولا كلمة. فاتن قاعدة متخشبة، الشنطة الصغيرة في حضنها، والطرحة ملمومة على وشها. حاولت تفتح كلام مرة واحدة، مدت له كوباية المية اللي المضيفة حطتها قدامها وقالت بصوت واطي: “عايز تشرب؟” دياب ما ردش. بس هز راسه بهزة خفيفة جداً معناها “لأ”، من غير ما يبص لها. كأنها هوا.
الناس اللي في الطيارة بتبص عليهم. شايفين العريس والعروسة اللي لسه متجوزين، بس هو باصص الناحية التانية وهي عينها في حجرها. لما المضيفة جات تسألهم “Chicken or pasta؟”، دياب قال “Chicken” بصوت يادوب مسموع، وبعدها سكت. المضيفة بصت لفاتن مستنية، دياب محركش شفايفه ولا قال إنها معاه. فاتن فهمت، وهزت راسها بالراحة: “Pasta, please”. وكلت لقمتين بالعافية واللقمة واقفة في زورها. كل ما حد يعدي يقول “Congrats” وهو مبتسم، دياب كان بيشد السماعات على ودانه ويغمض عينه، كأنه بيقول للدنيا كلها “سيبوني في حالي”.
مطار جون كينيدي – نيويورك الطيارة نزلت، والركاب كلهم بيجروا على الجوازات. الدنيا زحمة، وناس بتتكلم إنجليزي بسرعة، ولوحات إرشادية مكتوبة بحروف غريبة على فاتن. دياب خلص إجراءاته بسرعة لأنه معاه ورق المنحة. استلم شنطته من على السير ووقف على جنب مستني. فاتن اتأخرت في طابور الجوازات. الضابط بيسألها بالإنجليزي وهي مش فاهمة، ووشها أصفر من الخوف. بعد محاولات، ختم لها ودخلت. لقت دياب واقف بعيد، مديها ضهره وبيبص في موبايله. جريت عليه وهي بتجر الشنطة الصغيرة، نفسها مقطوع. أول ما وصلت جنبه، هو اتحرك ومشي بخطوة سريعة ناحية الباب، من غير كلمة.
فاتن لحقته بره الصالة، في الحتة اللي الناس بتستنى فيها التاكسي. الهوا البارد ضرب في وشها. شدته من طرف جاكيتته وقالت وهي بتنهج ودموعها على طرف عينها: “دياب… استنى. أنا مش فاهمة حاجة هنا، هنروح فين؟” دياب وقف. ما زعقش. بص حواليه الأول، اتأكد إن مفيش حد مركز معاهم. بعدين قرب منها خطوة، وصوته طلع واطي بس مسموم، زي لدغة العقرب: “هنروح فين؟ أنا رايح على سكن الجامعة. وإنتِ… إنتِ مشكلتي اللي لازم أخلص منها.”
فاتن اترعشت: “أنا… أنا مراتك. جدك قال أراعيك و…” دياب ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة، مفيهاش أي فرح: “جدك؟ جدك رماني في جهنم وسابني. فاكراني هوديكي الجامعة وأقولهم دي مراتي؟ هقولهم إيه؟ دياب الهلالي الدكتور اتجوز واحدة مكملتش تعليمها ومالهاش في الدنيا؟ هبقى مسخرة يا فاتن. إنتِ هتضيعي مستقبلي اللي شقيت عليه عمري كله.” صوته كان بيترعش، مش من الغضب، من الرعب. رعب من جده، رعب من المستقبل، رعب من نفسه. فاتن حاولت تمسك إيده:
“دياب بالله عليك… أنا خايفة. مليش حد هنا.” دياب نطر إيدها، بس مش بعنف. نطرها كأنه بيتخلص من حاجة مقرفة. بص في عينها لأول مرة من ساعة ما ركبوا الطيارة وقال الكلمة اللي كان شايلها في قلبه من يوم كتب الكتاب: “إنتِ طالق يا فاتن. من قبل ما نركب الطيارة وإنتِ طالق في سري. أنا ما كنتش موافق، وربنا شاهد. اعتبري الورقة هتوصلك لما أرتب أموري… بس من اللحظة دي، كل واحد في طريق. أنا مش هضيع مستقبلي عشان كلمة جدي، وهو لو عايز يقتلني لما أرجع… يبقى يحصل.”
سابها واقفة ومشي ناحية طابور التاكسي الأصفر. ما بصش وراه. ركب أول تاكسي، وقال للسواق وهو بيبلع ريقه بصعوبة: “Columbia University, please.” فاتن فضلت واقفة في البرد. الشنطة وقعت من إيدها على الأرض، والطرحة اتحركت من الهوا. بلد غريبة، لغة مش فاهماها، والراجل اللي اتكتب اسمها على اسمه… لسه سايبها وماشي. دمعة واحدة نزلت على خدها، مسحتها بسرعة وهي بتتلفت حواليها. مش عارفة تروح فين، ولا تكلم مين. بس في جيب العباية، كانت صوابعها بتضغط على ورقة صغيرة… رقم المحامي اللي جدها ادهولها في المطار وقالت لها: “لو ضاقت بيكي الدنيا، كلميه”.
التاكسي اختفى في زحمة نيويورك، وهي لسه واقفة… مش عارفة إن الكسر ده، كان أول خطوة في إنها تجبر نفسها بنفسها. الفصل الثالث: الأسفلت البارد قدام صالة الوصول في المطار كانت فاتن وهي واقفة مكانها. الشنطة القماش مرمية جنبها، والطرحة اتزحلقت على كتفها. مكنتش بتعيط بصوت… كانت شهقات مكتومة بتقطع صدرها، وشفايفها بتترعش بكلام مش واصل: “يا رب… أروح فين دلوقتي؟”
الناس رايحة جاية، أحضان وضحك وشنط بعجل، وهي الوحيدة اللي واقفة في النص كأنها تمثال من ملح. اللي يبص عليها يبعد عينه بسرعة. البرد دخل في عضمها، بس البرد اللي سابه كلام دياب في قلبها كان أقطع. في نفس اللحظة، من بوابة الخروج كانت نازلة بنت لابسة بالطو بيج تقيل، شعرها أصفر وملموم، ونضارة شمس كبيرة. ساندي الصياد ، كانت راكبة نفس الطيارة، درجة أولى. لمحت من بعيد بنت واقفة لوحدها، هدومها مش بتاعة سفر، وشنطتها قديمة، ووشها أصفر من الخوف.
ساندي قربت بخطوات مترددة. قلبها وجعها. نزلت النضارة وشافت وش فاتن كويس… عينها حمرا، والنَفَس بيتاخد بالعافية. دي مش تايهة، دي مصدومة. ساندي قربت أكتر وقالت بصوت واطي، نصه عربي ونصه إنجليزي: “إنتِ كويسة؟… Are you okay؟ محتاجة مساعدة؟ في حد بتستنيه؟” فاتن رفعت وشها ببطء. أول ما شافت حد بيكلمها بحنية، الكسرة اللي كانت حبساها اتفجرت. مسكت طرف بالطو ساندي كأنها بتغرق، وقالت وسط شهقات: “جوزي… هو… قالي مش عايزني. وسابني ومشي. قالي إنتِ طالق… أنا معرفش حد هنا، ولا عارفة أروح فين.”
ساندي حطت إيدها على بقها من الصدمة. دموعها نزلت غصب عنها. من غير تفكير حضنت فاتن وطبطبت على ضهرها: “اهدي… اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي. ششش، خلاص. مش هسيبك.” وفي اللحظة دي، صوت موتور تقيل وقف قدامهم. صف عربيات سودا فخمة. نزل منها اتنين بودي جاردز لابسين بدل سودا، فتحوا الباب اللي ورا باحترام.