سكت لحظة، وكمل بنبرة عدوانية: — مرتك كانت طماعة، وحازم كان محتاج دفعة صغيرة عشان يبدأ يكره ياسين، وأنا اللي كنت بحط الخطة. كنت أنا العقل المدبر ورا كل ده، من أول سم جوز أختك لحد حبسها في الملحق. ياسين صرخ: — دي بنتك! دي لحمك ودمك! الجد ضحك ضحكة قاسية: — الدم بيخلص يا ياسين، لكن الفلوس بتفضل. لما عرفت إن فادية بدأت تشك فيا، قررت أتخلص منها نهائياً، بس مرتك اللي اقترحت فكرة الحبس عشان نستنزف حساباتها البنكية بالتدريج.
بصيت له وأنا حاسس إن كل ذكرياتي معاه بتتحــ,,ـــــرق. — إنت شيطان.. أنا هسلمك للشرطة بنفسي. الجد مد إيده في جيبه، طلع مسدس صغير.. مسدس قديم، وبص لنا ببرود: — أنا ماليش مكان في السجــ,,ـــــن يا محمود. وعمري ما هسمح لمراهق زيك (بص لياسين) ولا لمجرمة زيك (بص لمراتي اللي كانت لسه مكلبشة جنب الضابط) إنكم تنهوا تاريخي. الرائد أحمد حاول يتدخل، لكن الجد رفع المسدس في وشه بسرعة: — ابعد يا ضابط.. لو خطوة واحدة، هفرغ الرصاص ده في صدـ,,ـــر حفيدي اللي بيمسك الظرف الأحمر ده!
ياسين كان ماسك الظرف قدامه كأنه درع. الجد كان بيتحرك ناحيتنا ببطء، والشرطة محاصراه بس مفيش حد قادر يقرب عشان ميهددش حياة ياسين. في لحظة غفلة من الجد، ياسين رما الظرف في الأرض بقوة في اتجاه الضابط، وانحنى عشان يتحرك، بس الجد أطلق رصاصة.. الصوت هز البيت كله! صرخة ياسين ملأت المكان، بس الرصاصة مكنتش فيه.. كانت في إيدي أنا اللي حاولت أقف قدام ياسين عشان أحميه!
وقعت على الأرض، ودمي بدأ يغرق السجادة. الشرطة في اللحظة دي هجموا على جدي، صوت اشتباك، وصوت ضــ,,ـــــرب، ولحظات من الفوضى العارمة.. لحد ما سمعت صوت الكلابشات وهي بتتقفل في إيد والدي اللي كان بيشتم ويصرخ.
آخر حاجة شفتها قبل ما أغيب عن الوعي هي ياسين، اللي كان بيعيط وهو بيضغط على جرح إيدي بإيدين مرتعشة، وصوت الضابط أحمد وهو بينادي على الإسعاف. فتحت عيني ببطء… ريحة المطهرات وجدران المستشفى البيضا كانت أول حاجة شوفتها. الألم في كتفي كان لسه بيصرخ، بس الألم اللي في قلبي كان هدي شوية لما عيني جت عليه.
ياسين كان قاعد على الكرسي اللي جنب السر,,ـــــير، راسه ساندة على إيدي السليمة، نايم من التعب والدموع معلمة على وشه. حركت صوابعي بالراحة، فصحى مخضوض. أول ما شافني صاحي، عينه لمعت بدموع الفرحة: — الحمد لله على سلامتك يا خالي.. كنت خايف تروح مني إنت كمان. ابتسمت بضعف وقلتله بصوت مبحوح: — أنا عايش يا ياسين.. عشان أكفر عن غفلتي.. وعشان أعوضك عن كل يوم عشته في بيتي وإنت حاسس إنك غريب. الضابط أحمد دخل الأوضة بعد شوية، وعلامات الارتياح على وشه. بصلنا وقال:
— حمد لله على السلامة يا بطل. رصاصة جدك جت في الكتف والحمد لله ملمستش شريان رئيسي. سألته بلهفة وخوف: — وبابا؟ ومراتي؟ وحازم؟ الضابط أحمد اتنهد وقعد على طرف الكرسي: — العدالة أخدت مجراها يا محمود. جدك اعترف بكل حاجة بعد ما اتحاصر بالأدلة والظرف الأحمر اللي فادية الله يرحمها سابته. النيابة وجهتله تهمة التحريض والاشتراك في الق*تل العمد والاخ*تطاف، وبسبب سنه وصحته المتدهورة، غالباً هيقضي اللي باقي من عمره في مستشفى السجــ,,ـــــن وسط ذله وفضيحته.
وكمل وهو بيبص لياسين: — أما مراتك والمحامي عادل، فالتهم لابسهم من ساسهم لراسهم. تزوير، اختط*اف، تعذ*يب، وقت*ل عمد بالسم لجوز أختك. العقوبة هتوصل للإعدام أو المؤبد على أقل تقدير. سألته عن ابني بقلب مكسور: — وحازم؟ ابني حازم فين؟ — اتمسك وهو بيحاول يهرب على طريق السفر. انهار في التحقيقات واعترف بكل حاجة.. حقد أمه وجدك زرعوا فيه شيطان، وبدل ما يحميك ويحمي ابن عمته، بقى شريك في تسميمه وحبس عمته. هو كمان مستقبله ضاع ورا القضبان.
الضابط مشي وسابنا لوحدنا. بصيت لياسين اللي كان باصص من الشباك للسما الواسعة. سألته: — والفلوس يا ياسين؟ أطيان أمك وورثها؟ ياسين لف وبصلي بابتسامة صافية: — المحكمة جمدت كل الأرصدة والتنازلات المزورة رجعت باطلة. الورث كله رجع ليا يا خالي. أنا بقيت غني جداً بالورق.. بس الحقيقة، أنا مكنتش عايز من الدنيا دي كلها غير حــ,,ـــــضن حنين يحسسني بالأمان.. وده اللي إنت عملته لما أخدت الرصاصة مكاني. مد ياسين إيده تحت الكرسي، وطلع الحصالة القديمة الكبيرة. حطها على السر,,ـــــير قدامي.
— الحصالة دي لسه فيها الفلوس يا خالي. «تمن الأكل اللي كلته عندك». دموعي نزلت: — لسه فاكر الوجع ده يا بني؟ ارميها.. ارميها في الزبالة أنا مش عايز أشوفها. ياسين مسك إيدي السليمة وضغط عليها: — لأ يا خالي.. الفلوس دي مش تمن أكل بجد. الفلوس دي كانت رمزي للحريّة اللي كنت بحلم بيها. بس دلوقتي، أنا هستخدم الفلوس اللي جوه الحصالة دي في حاجة تانية.
حاجة إيه؟
— هنبني بيها مستوصف خيري لعلاج الغلابة في البلد، وباسم أمي «فادية». الملحق القديم اللي اتحبست فيه عشر سنين، هنهده ونبني مكانه دار رعاية للأيتام.. عشان مفيش طفل يتيم يدخل بيت ويحس إنه تقيل أو يدفع تمن لقمته تاني. بصيت لياسين بفخر ملوش حدود. الطفل الهادي الزيادة عن اللزوم، كبر وبقى راجل بقلب أنقى من الذهب برغم كل السموم والشرور اللي عاش وسطها. سحبته لحــ,,ـــــضني بكتف واحد سليم، وضمني ليه بكل قوته. عشر سنين ضاعوا في الكدب والظلــ,,ـــــم، بس النهاردة، الشمس طلعت بجد على بيتنا.. شمس الحقيقة اللي دمرت الشياطين، وطهرت قلوبنا، وجمعتني بابن أختي اللي بقى ابني بجد.. وللأبد.