— الست حماتك عندها إجابة لكل ده. إحنا لازم نمشي حالاً.
ركبوني العربية، ومنها على القسم. قعدت في غرفة التحقيق وريحة الورق القديم والتحقيقات بتخنقني. بعد ساعة، لقيت حماتي داخلة الغرفة. كانت لابسة طرحة سودة، وماسكة شنطة إيد كبيرة، وعنيها فيها نظرة “انتصار” باردة جداً. قعدت قصادي وحطت الشنطة على الطاولة.
— اتفاجئتِ؟ قالتها وهي بتعدل طرحتها ببرود.
كنت عايزة أصرخ، أهجم عليها، بس لساني كان متخشب. قلت بصوت مبحوح:
— ليه؟ ليه يا طنط؟ ليه تعملي فيا كده؟ أنا كنت بحترمك وبقدرك.. حتى اللحمة اللي كنت بطلعها من بوق عيالي كنت بديهالك عشان أنا راضية!
ضحكت ضحكة صفراء وقالت:
— يا حبيبتي، البيت ده كان محتاج “فلوس” عشان يفضل واقف. جوزي، أبو جوزك، خسر كل حاجة في مضاربات خسرانة، وجوزك.. ابن قلبي.. كان غرقان في ديون قمار وسلف. كان لازم نلاقي “كيس أسود” نشيل فيه كل القرف ده. وكان لازم يكون فيه “كيس” تاني نلبسهولك عشان لو وقعنا، نقع إحنا والبيت كله فوق دماغك.
— يعني إيه؟ يعني كنتِ بتستخدمي اسمي؟
— المحل ده كان بوابتنا للدنيا. أخدنا بطاقتك يوم ما جيتي هنا عشان “تفتحي حساب توفير للولاد”، ومن يومها.. كل شيء، كل عقد، كل فاتورة، كانت بتمضي بإيدك اللي بتعرفيش عنها حاجة.
اللحمة اللي كنتِ بتديهالي؟ كنت ببيعها للمحل عشان نثبت حركة بيع وشراء، وعشان “الدفاتر” يكون ليها أصل في الواقع.
كنت بسمعها وقلبي بيتمزق. سألتها:
— وجوزي؟ كان عارف؟
— جوزك؟ جوزك ده هو اللي كان بيخطط لكل حاجة. هو اللي كان بيجيلك في البيت يمثل دور الغلبان، وهو اللي كان بيسحب الفلوس من المحل يخلص ديونه. ولما الأمور اتكشفت والشرطة بدأت تشم ريحة الديون، قررنا إننا لازم نضحي بـ”الضحية” المثالية.. إنتي.
حسيت بمرارة في حلقي.
— وأبو جوزي؟ هو كان عارف؟
سكتت للحظة، وبعدين قالت بنبرة واطية:
— أبو جوزك.. مات من شهرين.
وقفت قلبي عن النبض.
— مات؟ إزاي؟ والراجل اللي كان بيقعد يضحك معايا ويقولي إنه مش مريض؟
— ده كان أخوه، عم جوزك، اللي كان بيجي يمثل الدور عشان يكملنا المسرحية. جوزي مات بجلطة لما عرف إنكم.. إنكم هتضيعوا مستقبلكم ومستقبل الولاد في لعبكم ده.
بصيت لها والدموع محبوسة في عيني. كنت حاسة إني غريبة في الدنيا دي.
— والولاد؟ ولادي فين؟
ابتسمت ابتسامة شيطانية وقالت:
— ولادك؟ ولادك في أمان عند أخت جوزك في البلد.
لو اعترفتي إنك شريكة، وإنك كنتِ بتسرقي المحل ده وتبيعي اللحمة عشان تكبري “بيزنس” خاص بيكي، المحامي بتاعنا هيطلعك براءة في خلال كام شهر، والولاد هيرجعولك. لكن لو فتحتي بوقك بكلمة عن جوزي أو عننا.. هتتحبسي سنين، والولاد مش هتشوفيهم تاني غير لما يكبروا.
خرجت من القسم بعد يوم طويل، وكنت ممضية على “اعتراف” إني كنت شريكة في تزوير فواتير المحل. المحامي اللي بعتوهولي كان بيتحكم في كل كلمة بقولها. روحت البيت، كان كل حاجة فيه متفتشة. الدولاب مفضى، والولاد مش موجودين.
قعدت على الأرض في نص الصالة، المكان اللي كنت بشوف فيه حماتي بتشرب الشاي وبتطلب “كيس اللحمة”، وبفتكر ضحكة جوزي وهو بيطمنني. كل زاوية في البيت بقت بتصرخ بذكريات كدب.
بدأت ألملم شتات نفسي. هما فاكرين إني “الضحية” اللي هتفضل ساكتة عشان ولادها. بس هما نسوا حاجة واحدة.. “الست اللي بتأكل عيالها مكرونة عشان توفر لحمة، الست دي تقدر تعيش على المية والملح وتتحمل أي حاجة.. بس بشرط واحد: إن ولادها يرجعوا في حــ,,ـــــضنها”.
طلعت الموبايل القديم اللي كان جوزي ناسيه في درج المكتب. فتحته، لقيت عليه رسايل “واتساب” ممسوحة، بس نسخة احتياطية كانت موجودة. فتحت النسخة، وبدأت أقرأ.
الرسايل ما كانتش بس عن المحل. كانت عن “شحنات تانية”.. لحمة فاسدة، بضايع مجهولة المصدـ,,ـــر، أسامي ناس تانية مسروقة هوياتهم. جوزي ما كانش مجرد مقامر، كان جزء من شبكة أكبر بكتير.
حماتي فاكرة إنها مسكتني من إيدي اللي بتوجعني.. بس هي متعرفش إنها حطت في إيدي “سلاح” ممكن يهد البيت ده فوق دماغها هي وجوزي.
مسحت دمعتي، وقمت غسلت وشي. بصيت للمراية، ملامحي اللي كانت دايماً هادية وخاضعة اختفت. مكانها شفت ست تانية.. ست عندها استعداد تحــ,,ـــــرق الدنيا عشان تسترد حقها.
مشيت ورا خيوط الرسايل دي، بدأت أتصل بأرقام كانت موجودة في الرسايل.
لقيت واحد منهم صاحب مطعم كان بيشتري منهم، كان بيشتكي من اللحمة.
— أيوة، أنا مدام… صاحبة المحل اللي كنتوا بتوردولنا منه. أنا عايزة أقابلكم. أنا عندي كل الفواتير الحقيقية.. اللي بتبين إنكم إنتوا اللي بتوردوا “السم” للناس، مش أنا.
الراجل على الطرف التاني سكت، وبعدين قال:
— لو ده حقيقي، يبقى أنتي في خطر كبير يا مدام.
قلت بصوت ثابت:
— الخطر اللي أنا فيه مش هيزيد عن إني أكون أم محرومة من عيالها ومسجونة بتهمة أنا معملتهاش. أنا ببيع البيت، وببيع كل حاجة عشان أوصل للحقيقة.
عدت الأيام وأنا بلعب دور “الخاضعة” قدام حماتي. كانت بتيجي كل يوم، تسألني:
— عملتي إيه في القض*ية؟ المحامي قال إيه؟
كنت ببتسم وأقول:
— المحامي بيقول إن الموضوع ماشي زي ما إنتوا عايزين يا طنط.
وفي نفس الوقت، كنت بجمع كل الدليل. سجلت لها اعترافات، صورت العقود الأصلية اللي كانت مخبياها في خزنة قديمة في بيتهم القديم اللي قدرت أدخله بمفتاح كان مع جوزي، وجمعت كل “أكياس اللحمة” الفاضية اللي كانت بتشهد على جريمتهم.
كانت اللحظة الحاسمة قربت. كان ميعاد “تصفية” المحل عشان يغسلوا أيديهم منه نهائياً. يومها، كان لازم أكون هناك.
لبست عبايتي، وخدت شنطتي اللي فيها “الحقيقة”، وخرجت. الشوارع كانت زحمة، والجو خانق زي الحالة اللي أنا فيها. وصلت للمحل، كانت حماتي واقفة ومعاها المحامي، وبدأوا يوقعوا أوراق التنازل عن المحل لشخص “وهمي” جديد عشان يخرجوا من اللعبة.
دخلت عليهم. الهدوء اللي في وشي كان مرعب بالنسبة لهم.
— بتعملوا إيه؟ سألت بصوت عالي.
حماتي بصتلي بصدمة:
— إنتي بتعملي إيه هنا؟ مش قلنا تستني في البيت؟
طلعت من شنطتي “فلاشة” ودفتر صغير.
— كنت بستنى، بس لقيت نفسي زهقت من الانتظار. وجبت معايا “حساب” تالت، مش حساب المحل.. حساب السنين اللي ضيعتوها من عمري.
بصيت للمحامي:
— دي تسجيلات، وفواتير، وصور، وإثباتات إن المحل ده كان واجهة لشبكة تهريب لحمة فاسدة وتزوير هويات. وعندي إيميلات لجوزي وهو بيهدد أصحاب شركات تانية عشان يمشوا في طريقه.
وش حماتي اتخطف. المحامي حاول ياخد الفلاشة، بس أنا كنت أسرع.
— لو قربت، الفيديو ده هيبعت نفسه حالاً للنيابة وللصحافة. أنا بعت نسخة منه بالفعل لصديق لي صحفي، لو ما رجعتليش ولادي في خلال ساعة، الخبر ده هينزل في كل الجرايد، وهتكونوا إنتوا وجوزي في قفص الاتهام الحقيقي.
حماتي صرخت:
— إنتي اتجننتي؟ هتضيعينا!
— أنا ضعت من زمان يا طنط.
دلوقتي دوركم إنتوا.
بعد ساعة، كان ولادي في حــ,,ـــــضني. كانت أخت جوزي جايبة ولادي وهي مرعوبة من اللي سمعته. سابتهم وجريت.
جوزي، اللي كان مقتنع إني “ضعيفة”، اتصل بيا بعد دقايق. كان بيزعق، بيهدد، بيترجى.
— أنتي عملتي إيه؟ أنتي عارفة إنك بتنهي حياتنا؟
قلتله وأنا بضم ولادي:
— حياتكم أنتوا خلصت لما فكرتوا تنهوا حياتي وتسرقوا اسمي. أنا دلوقت رايحة أصلح اللي أفسدتموه.
خرجت من المحل، ومعايا ولادي. رميت المفاتيح بتاعة البيت في وشهم، ومشيت. ما كانش يهمني أخد حاجة من البيت. كل اللي كان يهمني هو “الحقيقة”.
لما وصلت للنيابة، قدمت كل حاجة. كان الوقت ليل، والسما كانت بتمطر، زي ما تكون بتغسل الشوارع من القذارة اللي عشناها.
قعدت قدام وكيل النيابة، وبدأت أحكي. أول مرة في حياتي أحس إني حرة، رغم إني عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن المشاكل القانونية هتاخد وقت. بس يكفيني إني في اللحظة دي، ولادي كانوا نايمين في أمان، وإني قدرت أوقف الـ 33 كيس لحمة اللي كانوا هيبنوا سجــ,,ـــــني.. بقوا هما اللي هيبنوا سجــ,,ـــــنه هو وأمه.
الحكاية لسه ما خلصتش، بس النهاية اللي كنت بخاف منها.. اتغيرت تماماً.
سألت نفسي وأنا ماشية في ممر المحكمة:
هل يا ترى جوزي كان فعلاً بيحبني في يوم من الأيام، ولا كنت مجرد “كيس لحمة” تالت في فريزر حياتهم؟ الإجابة ما عادتش تفرق.. اللي يفرق إني عرفت قيمتي، وعرفت إني أقوى مما كنت أتخيل بكتير.
**تفتكري لو رجع بيكي الزمن، إيه أول خطوة كنتِ هتعمليها عشان تحمي نفسك وأولادك قبل ما يوصلوا للمرحلة دي؟**