منوعات

بنت اخويا ج 2

كانت تعيش في ړعب دائم، تخشى أن تغضب مني فأعاقبها، أو أن أجد خطأ منها فأخرجها من البيت. مرت بذهني صور كثيرة كنت أجدها تأكل بسرعة ثم تذهب بسرعة، وكنت أضحك وأقول إنها مشغولة، وطلعت كانت تأكل خوفاً أن تمنعها من الأكل، كما كانت تمنعها من الراحة، وكنت أراها دائماً ترتدي ملابس قديمة، وكنت أقول إنها مش عايزة تكلفنا، وطلعت كانت ممنوعة من طلب أي ملابس جديدة، أو أي حاجة تريدها، وكنت أجدها دائماً تجلس في الزاوية، بعيدة عنا، وكنت أقول إنها تحب الهدوء، وطلعت كانت تشعر أنها غريبة في البيت، وأنها مجرد خادمة، لا ابنة ولا قريبة.

بكيت بصمت، ولم أستطع أن أمنع دموعي، فأنا كنت الأب الذي لم يحمِ ابنتة، والعم الذي لم يصدق ابنة أخيه، والزوج الذي أعمته الثقة العمياء حتى خسر كل شيء. بعد أن انتهى المحامي من الكلام، قال لي الآن، ما هي الخطوات التي تريد أن نتخذها؟ نحن نملك كل الأدلة، التسجيل، الشهادات، تقارير الخبراء، ويمكننا رفع قضية تزوير، وسړقة أموال، واعتــ,,ـــــدا على حقوق اليتيم، والعقاپ في هذه الحالات يكون صارماً جداً، خاصة في قانون بلدنا، الذي يحمي

حقوق الأيتام بكل قوة. فكرت للحظة، ثم قلت أريد أولاً أن أرجع كل ما أخذته، وأريد أن أحصل على تعويض عن كل ما سببته لسلمى من ألم ومعاناة، ثم أريد أن أفصل في الأمر معها، فالقرار النهائي لها، هي صاحبة الحق، وهي التي تقرر ما تريد فعله بها. ثم قلت للمحامي وأريد أن أطلب منك طلباً آخر، أريد أن أجهز كل الأوراق اللازمة، لأجعل سلمى ابنتي رسمياً، وأكفلها بكل ما للكلمة من معنى، وأكون المسؤول عنها أمام الله والناس، وأعوضها كل ما فاتها من حنان ورعاية.

ابتسم المحامي، وقال هذا أقل ما يمكن فعله، وأخوك رحمه الله لو كان حياً لكان أسعد الناس بهذا القرار، وسأقوم بكل ما طلبته فوراً، ولن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً. الجزء الثاني المواجهة والانفصال عدت إلى البيت في المساء، ووجدت زوجتي جالسة في الصالة، وحولها حقائبها، وكأنها كانت تنتظر عودتي لتتكلم، أو ربما كانت تجهز نفسها للرحيل قبل أن أتخذ أي قرار. عندما رأتني، وقفت بسرعة، وقالت سمعت كل شيء؟ سمعت كل ما كان مخبي؟ قلت بصوت بارد خالٍ من أي مشاعر

سمعت كل شيء، وعرفت كل الحقائق، ولا يوجد شيء يخفى عني الآن. أنا آسفة يا محمد آسفة جداً لقد خسړت عقلي، وكنت خاېفة من المستقبل، وكنت أظن أن المال هو كل شيء، ولم أتوقع أن الأمر سوف يصل إلى هذا الحد، ولم أتوقع أن أخوك كان يعرف كل شيء، وأن هناك تسجيل وأدلة أرجوك سامحني، ونبدأ حياة جديدة، وكل شيء سوف يكون على ما يرام، سوف أعتني بسلمى من اليوم، وسوف أكون لها أم، وسوف أعوضها كل ما فاتها أرجوك لا تتركني.

نظرت إليها طويلاً، تذكرت أيامنا الأولى كيف كنا نحب بعضنا، وكيف كنا نحلم ببيت مليء بالأطفال، وكيف كانت تقول لي إنها تحب الخير للجميع، لكن كل هذه الذكريات بدأت تختفي وتتحول إلى سراب، أمام ما فعلته، أمام الظلــ,,ـــــم الذي وقع على ابنة أخي، أمام الخداع الذي استمر سنتين كاملتين.
قلت لها بهدوء تام

لا يمكنني أن أسامحك، ولا يمكنني أن أنسى ما فعلته، أنت لم تظلــ,,ـــــميني أنا فقط، بل ظلــ,,ـــــمت أمانة الله التي في عنقي، ظلــ,,ـــــمت يتيمة لا حول لها ولا قوة، أنت كنتِ مثل الأم بالنسبة لها، فكنتِ مثل السجان، كنتِ تملكين قلباً رحماً بكل شيء إلا بها. المال يمكن تعويضه، والخطأ يمكن إصلاحه، لكن الثقة عندما تُكسر، لا يمكن أن تعود كما كانت أبداً، وكيف أثق فيك مرة أخرى، وأنتِ زورتِ توقيعي، وسرقتِ مال اليتيم، وخدعتِني لمدة طويلة؟ وكيف تعتقدين أنكِ تستطيعين أن تكوني أماً لها بعد كل ما فعلته؟

أنا لا أريد أن أكون سبب أي ألم لك، لكننا انتهينا، كل ما بيننا انتهى من اللحظة التي ضــ,,ـــــربتِ فيها سلمى بالكلام، وقلتِ لها إن الأكل هنا مش ببلاش. أنت طلقني؟! قالت بصوت مرتجف، ودموعها تملأ وجهها. نعم، سوف ننفصل، وسوف أعطيكِ كل ما يخصك، وسوف أكون عادلاً معكِ في كل شيء، لكنكِ لا يمكنكِ البقاء في هذا البيت، ولا يمكنكِ أن تكوني في حياة سلمى أبداً. حاولت أن تتكلم، حاولت أن تبرر، لكنني رفعت يدي وقاطعتها

لا تزيدي الكلام، كل ما قلته سمعته، ولا يوجد شيء يمكنه أن يغير رأيي، لقد اتخذت قراري، والقرار نافذ. سلمت عليها ورقة الطلاق التي كان المحامي قد جهزها لي، وأخبرتها أن كل ما اتفقنا عليه من مهر ومؤخر سوف تحصل عليه كاملاً، دون أي نقص، وأنني سوف أساعدها في الانتقال، وسوف أبقى على مسافة منها، ولا أريد أي مشاكل، لكنها يجب أن تبتعد عن حياتي وحياة سلمى تماماً.

بكت طويلاً، توسلت، لكنني كنت صلباً، لم أتردد، لأنني كنت أعلم أن الرحمة هنا ليست في العفو عن الظلــ,,ـــــم، بل في إنصاف المظلوم، وفي حماية الأمانة التي أوكلها الله لي. وبعد ساعات، غادرت البيت، ولم تنظر للوراء مرة أخرى، وعندما أغلقت الباب وراءها، شعرت بثقل كبير يزول من صدـ,,ـــري، وكأنني كنت أتنفس تحت الماء لفترة طويلة، وعدت أخيراً إلى الهواء الطلق.

ذهبت في الصباح التالي إلى المستشفى، وأخبرت سلمى بكل ما حدث، وقلت لها إنها سوف تعيش معي وحدنا، وسوف نبدأ حياة جديدة، وإنها لن ترى عمتي مرة أخرى إلا إذا أرادت هي ذلك، وإن القرار يعود لها تماماً. لم تبتسم، ولم تحزن، فقط قالت لي بصوت هادئ شكراً يا عمو كنت دائماً عارفة إنك مش زيها، وإنك طيب القلب، وكنت منتظر اللحظة التي تعرف فيها الحقيقة، أنا مش عايزة أشوفها تاني، مش عايزة أتذكر اللي حصل، عايزة نبدأ من جديد، وننسى كل شيء.

بعد أسبوع، خرجت سلمى من المستشفى، وعادت معي إلى البيت، وبدأت رحلة التعافي، لم يكن التعافي سهلاً، فقد تركت المعاملة السيئة آثاراً عميقة في نفسها، وكانت تظل خائڤة من أي صوت عالٍ، وتتردد في طلب أي شيء، حتى لو كان كوب ماء، وكنت أجتهد في أن أجعلها تشعر بالأمان، أشتري لها كل ما تحبه، أجلس معها لساعات نتكلم، أروي لها قصص أبيها وأمها، أخذها في نزهات كل جمعة، سجلتها

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى