منوعات

١٢ سنه رومانى مكرم 4

عاد مدحت إلى الغرفة العشوائية بوجه يشبه الأموات. ارتمى بجوار سر,,ـــــير والدته الحاجة فايزة، التي كانت تراقب ملامحه المنهارة بعينها السليمة، محاولة فهم ما جرى. نظر إليها مدحت وعيناه تشعان حقداً وندماً، وقال بصوت هامس ومخيف: “روحتلها يا أمي.. روحتلها واتذللت تحت رجليها وطردتني زي الكلب. ريهام قالتلي إن الطفل ده بتاعها لوحدها، وإن ربنا طهرها مننا قبل ما يديهولها. إحنا ضيعنا كل حاجة.. كل حاجة يا أمي.” أغمضت الحاجة فايزة عينها، وانفجرت في بكاء صامت مرير، شاعرة بأنفاس المــ,,ـــــوت والندم تخنق صدـ,,ـــرها، وهي ترى ابنها الوحيد يتحول إلى حطام إنسان بسبب طمعها.

مرت الأشهر الباقية من الحمل كأنها حلم جميل لريهام. كانت بطنها تكبر، ومعها تكبر نجاحات مكتبها الذي أصبح واحداً من أشهر مكاتب الاستشارات في المنطقة. كانت محاطة برعاية شقيقها أحمد وحب عائلتها، تستعد لاستقبال معجزتها المنتظرة بقلب نقي وصافٍ. وفي ليلة من ليالي الشتاء الشديدة البرودة، فاجأت آلام الوضع ريهام. نُقلت مسرعة إلى المستشفى وسط حالة من الطوارئ المبهجة في عائلتها. دخلت غرفة العمليات، ودقائق الانتظار كانت تمر على أحمد ووالدها كأنها سنين.. وفجأة، انفتح باب غرفة العمليات، وخرجت الممرضة تحمل بين يديها لفة بيضاء صغيرة، وصوت صراخ طفل نقي يملأ الممر..

ابتسمت الممرضة وقالت لأحمد ووالده: “مبروك.. الست ريهام قامت بالسلامة، وجابت ولد زي القمر!” بكى أحمد من الفرحة وسجد على الأرض شكراً لله، بينما كانت ريهام بالداخل تفتح عينيها بتعب، لتنظر إلى طفلها الذي وُضع بين يديها، وتتنفس بعمق وهي تعلم أن هذه هي البداية الحقيقية لحياتها الجديدة. لكن، في نفس تلك الساعة التي ولد فيها طفل ريهام، كانت الغرفة الضيقة في الحي العشوائي تشهد حدثاً آخراً مرعباً؛ فقد استيقظ مدحت فجأة على صوت أنين غريب ومتقطع يصدـ,,ـــر من والدته الحاجة فايزة. أسرع نحوها وأشعل الضوء الخافت، ليجد وجهها قد تغير تماماً، وعينها معلقة بالسقف وهي تلهث بصعوبة بالغة..

أمسك مدحت يدها بارتباك وصاح: “أمي! في إيه؟ حاسة بإيه؟” نظرت إليه الحاجة فايزة بنظرة أخيرة طويلة ملؤها الخوف والندم، وحاولت شفتيها الثقيلتين النطق بكلمة واحدة.. كلمة “ريهام”.. قبل أن تسترخي يدها تماماً، وتخرج روحها إلى بارئها، تاركة مدحت وحيداً في الغرفة المظلــ,,ـــــمة مع جثتها والديون والفضيحة.

لم يجد مدحت أحداً يقف بجواره في تلك الليلة الباردة؛ ماتت والدته الحاجة فايزة وهي تردد اسم “ريهام” بأنفاس مثقلة بالندم، ووجدت جثتها مسترخية على ذلك الفراش المتواضع في الغرفة الرطبة. اضطر مدحت للاستدانة مجدداً من بعض الجيران في الحي العشوائي ليدفع تكاليف الكفن والدفــ,,ـــــن، وسار خلف نعشها مع ثلاثة من الغرباء فقط، في جنازة مهينة وخفيفة لم يحضرها قريب أو صديق، بعد أن قطع الجميع صلتهم به إثر الفضيحة التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي.
عاد مدحت إلى غرفته الفارغة، وجلس على الأرض وحيداً. استوعب في تلك اللحظة حجم الكارثة؛

لقد خسر الزوجة المخلصة، والشقة والمال، وضاعت العروس الجديدة، وماتت أمه مشلولة ومقهورة، وبات هو محاصراً بديون الجيران وأقساط لا تنتهي، يعيش في قاع المجتمع كعامل مجهد لا يلتفت إليه أحد. أصبح يقضي ليله بالبكاء والنظر إلى جدران الغرفة المقشرة، مدركاً أن كل ما أصابه لم يكن سوى عدل الله الذي أمهله لحين، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر. في المقابل، كانت المستشفى التي وضعت فيها ريهام تشهد أجواءً من النور والبهجة. ضمت ريهام طفلها إلى صدـ,,ـــرها، وقررت أن تسميه “يوسف”، ليكون رمحاً للفرج والجمال بعد سنوات الصبر البئر التي عاشت فيها.

مرت الأيام والسنوات سريعة، وتحولت حياة ريهام إلى قصة نجاح ملهمة. كبر يوسف وأصبح طفلاً جميلاً يملأ عليها الدنيا بهجة، وكان شقيقها أحمد بمثابة الأب والسند له. أما مكتب الاستشارات المالي الخاص بريهام، فقد تحول بمرور السنوات إلى شركة كبرى لها فروع، وأصبحت ريهام من سيدات الأعمال المشهود لهن بالذكاء والنزاهة والأصل الطيب. وفي أحد أيام الصيف، وبعد مرور خمس سنوات على تلك الأحداث، كانت ريهام تستقل سيارتها الفارهة بصحبة ابنها يوسف وشقيقها أحمد. توقفت السيارة أمام إحدى الإشارات المرورية المزدحمة في وسط المدينة. التفت يوسف الصغير إلى النافذة، وأشار بيده قائلاً: “ماما.. بصي الراجل ده شكله تعبان أوي.”

نظرت ريهام من النافذة بدافع الفضول، لتتجمد ملامحها للحظة. كان هناك رجل أربعيني، يرتدي ملابس رثة وممزقة، وظهره منحنٍ يحمل صندوقاً خشبياً لبيع المناديل وبعض البضائع البسيطة بين السيارات تحت أشعة الشمس الحارقة. كان وجهه شاحباً للغاية، وعلامات الهرم والكسرة قد حفرت على وجهه أخدوداً عميقاً. إنه “مدحت”. تعرفت عليه ريهام فوراً رغم تغير حاله. التقت عيناهما عبر زجاج السيارة الفارهة. تجمد مدحت في مكانه، وسقطت علبة المناديل من يده على الأسفلت. نظر إلى ريهام وهي في قمة أناقتها ووقارها، وإلى الطفل الجميل الذي يجلس بجوارها ويشبهها كثيراً، ثم إلى أحمد الذي كان يقود السيارة وينظر إليه بنظرة نصر صامتة.

شعر مدحت برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعه؛ كان هذا اللقاء هو العقاب الأشد قسوة من المــ,,ـــــوت نفسه. أن يرى بعينيه الغنى والرفعة والولد للضحية التي ظلــ,,ـــــمها، في المقابل الذي يتسول فيه هو قروشاً في الشوارع. لم تنطق ريهام بكلمة واحدة، ولم تفتح النافذة لتشتمه أو تتشفى فيه؛ بل اكتفت بنظرة هادئة مليئة بالحمد لله، ثم أغلقت عينيها ودعت لولدها. تحركت الإشارة، وانطلقت السيارة مسرعة، تاركة مدحت واقفاً في وسط الغبار والشمس، يجمع المناديل من على الأرض والدموع تنهمر على وجهه المغبر.

### الحكمة من القصة: > **”إن الله يمهل ولا يهمل، والبيوت البنية على الظلــ,,ـــــم والطمع هدمها حتمي.”**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى