قالت برود: “تمن خروج أمك من الحجز، وتمن إني أديك صورة من عقد الشقة القديم المكتوب فيه اسمك قبل ما نغيره في الشهر العقاري عشان توريها لحماك وتثبتله إن الشقة كانت بتاعتك.. التمن ده هو (الطلاق). بكرة الصبح المحامي بتاعي هيستناك عند المأذون، تطلقني إبراء كامل، وتسيبلي كل مؤخري وحقوقي الشرعية اللي هكتبها في ورقة، وكمان تمضي على إقرار بالتنازل عن أي منقولات أو متعلقات ليك في الشقة. تعمل ده.. أمك تخرج في نفس الساعة، وتداري فضيحتك قدام ناسك الجداد. فكر وقرر.. قدامك ساعتين بالظبط، لأن النيابة هتفتح المحضر الساعة عشرة.”
أغلقت ريهام الخط قبل أن ينطق بكلمة.
سقط مدحت على ركبتيه في الشارع. المقايضة كانت قاسية ومدمرة لكبريائه؛ الطلاق والتنازل عن كل شيء مقابل حريّة أمه وإنقاذ مظهره الزائف أمام عائلة علا. لم يكن أمامه خيار آخر. اتصل بالمحامي الخاص به، والذي أكد له أن موقف والدته القانوني سيئ جداً وقد تواجه حبساً مع غرامة مالية ضخمة إن لم تتنازل ريهام. وفي تمام الساعة التاسعة والنصف، كان مدحت يقف أمام مكتب المأذون الشرعي، ووجهه مسودّ وعيناه غائرتان.
وصلت ريهام برفقة شقيقها أحمد ومحاميها. كانت تبدو في كامل أناقتها وثقتها، وكأنها مقبلة على حفل تكريم وليس على طلاقها بعد 12 سنة زواج. نظر إليها مدحت بنظرة عتاب مكسورة، لكنها لم تلتفت إليه. جلسوا، ووقع مدحت على أوراق الطلاق التنازل الإجباري، وفي المقابل، سلمها المحامي إقرار التنازل عن المحضر لتتوجه به فوراً إلى النيابة لإخلاء سبيل والدته، كما سلم أحمد لمدحت “نسخة ضوئية قديمة” من العقد الأزرق الأصلي للشقة قبل نقل ملكيتها لريهام، ليداري بها عورته أمام حماه.
خرجت ريهام من مكتب المأذون وهي تشعر بخفة لم تشعر بها منذ سنوات، وكأن قيداً ثقيلاً انكسر من حول عنقها. التفتت إلى شقيقها وقالت بابتسامة: “أنا كدة أخدت حقي كامل يا أحمد.. الشقة والعفش وكرامتي.” أما مدحت، فقد توجه مسرعاً إلى النيابة حتى أنهى إجراءات خروج والدته، التي خرجت ووجهها شاحب، وجسدها يرتعش من الذل والتعب، ولم تعد تنطق بكلمات القوة والشر التي كانت ترددها دائماً.
لكن اليوم لم ينتهِ هنا. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية ظهراً، وموعد مدحت مع والد علا قد حان. ترك مدحت والدته في الشقة القديمة مع قريبة لها، وأخذ سيارة أجرة متوجهاً إلى منزل عروسته، وفي جيبه “صورة العقد القديمة”، داعياً الله أن يمر هذا المأزق على خير. دخل مدحت منزل والد علا، ليجد الأجواء مشحونة للغاية. كان حماه يجلس متجهم الوجه، وجوار زوجته، بينما كانت علا تجلس في زاوية الغرفة وعيناها حمراوان من البكاء.
جلس مدحت وحاول الابتسام قائلاً: “مساء الخير يا عمي.. أنا جيت وجبت معايا الورق عشان تطمن، الموضوع كله كان سوء تفاهم وطليقتي هي اللي كانت مأجرة الشقة من ورايا بعقد مزور وأنا فسخته ورجعت حقي..” قاطعه والد علا وهو يضــ,,ـــــرب الطاولة بيده بقوة أهتزت لها أكواب العصير: “بس! كفاية كدب لحد هنا يا مدحت! إنت فاكرنا مغفلين؟” شحب وجه مدحت وقال برعب: “في إيه يا عمي؟ الورق أهو…”
أخرج والد علا هاتفه المحمول ورماه في حجر مدحت قائلاً بغضب عارم: “اتفرج! اتفرج على الفضيحة اللي مالية جروبات المنطقة وصفحات الفيس بوك من الصبح! فيديو أمك وهي بتجرجر في الشركة وبتشتم طليقتك وبتقول بعلو صوتها إنك معندكش شقة وإنك عاوز تاخد شقة طليقتك تقعد فيها بنتي! والناس في التعليقات كاتبين بالتفصيل إن الشقة ملك طليقتك ورثاها عن أمها وإنها طردتكم منها بقوة القانون!”
تجمد الدم في عروق مدحت وهو يرى الفيديو المنتشر، والتعليقات التي فضحت أدق تفاصيل حياته وسعيه للاستيلاء على ملك ريهام.
وقف والد علا وقال بصوت يهز الجدران: “إنت غشاش يا مدحت! جيت خطبت بنتي وقولت إنك صاحب ملك وشقا عمرك، وطلعت عايش عالة على ست وصابر عليك 12 سنة، وجاي تاخد بنتي تقعدها في شقة مغصوبة وفضايحكم مالية الدنيا! بنتي متمشيش وراها أصابع الناس بالسوء وتتقال عليها خطافة شقق!” التفت إلى زوجته وصاح: “هاتي الشبكة يا أم علا ورميها في وشه!” رمت الأم علبة الشبكة في حجر مدحت، وقفت علا ونظرت إليه بنظرة احتقار ودموعها تسيل، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب بقوة.
قال والد علا ومدحت مذهول لا يستطيع الحراك: “الشرط الجزائي اللي في العقد اللي مضينا عليه، وفلوس القاعة اللي حجزناها، هتوصلي لحد هنا في خلال 48 ساعة، وإلا هحبسك بوصلات الأمانة اللي إنت ماضيها تمن الصالون والأجهزة! اخرج برة بيتي يا غشاش!” خرج مدحت إلى الشارع يجر خطاه، علبة الشبكة في يده، وعقله مشلول تماماً. لقد خسر كل شيء في لحظات؛ خسر ريهام، وخسر الشقة، وخسر العفش، وخسر كرامة والدته، والآن خسر عروسته الجديدة وأصبح مهدداً بالسجــ,,ـــــن بسبب الديون التي تراكمت عليه لتجهيز زواج لم يتم.
جلس على رصيف الشارع واضعاً رأسه بين يديه، والدموع تنهمر من عينيه ندمًا حسرة، يتذكر كلمات ريهام: “لما تفكر تتجوز وتعمل عيلة، كان لازم تعملها بفلوسك وشقاك، مش تبني سعادتك الجديدة على أنقاضي.” وفي نفس تلك اللحظة، رن هاتفه.. كان المتصل هو حارس عقار والدته القديم، ويقول له بصوت فزع: “الحق يا أستاذ مدحت.. والدتك الحاجة فايزة تعبت فجأة ونقلناها المستشفى والدكاترة بيقولوا جالها شلل نصفي من الزعل والضغط!”
سقط الهاتف من يد مدحت، وتلاشى آخر خيط من تماسكه. فما هي الخطوة القادمة لمدحت بعد أن تحولت حياته إلى جحيم مطلق؟ وكيف ستستقبل ريهام أخبار انهيار عائلته السابقة وهي تبدأ خطوتها الأولى في مشروع حياتها الجديد؟