منوعات

قصص وروايات أمانى سيد مراتى الجديده 3

نزلت البلد وأنا حاسس إن الأرض بتلف بيا، القواضي والمحاكم والمحامي اللي كل شوية يتصل يهددني بـ “حجز” و”حبس” خلوا ركبي تخبط في بعضها. قولت لنفسي: “أنا مش حمل فضايح، ولا حمل قواضي تهد مستقبلي، وشغلي اللي في المحافظة التانية مش هعرف أركز فيه طول ما الس*كينة على رقبتي كدة.. أنا لازم أخلص من قصة مشيرة دي بأي ثمن عشان أفضى لماسة وابني اللي جاي، وأمي تشيل ماسة هناك في البلد وأنا دماغي تروق”.
كلمت المحامي وقولتله: “أنا هجيلكم المكتب، مشيرة وادوا لها كل اللي هي عايزاه..

المؤخر، النفقة، العفش، مش عايز من ريحتها حاجة، بس نخلص ودي من غير محاكم”.
يوم المقابلة في مكتب المحامي، دخلت وأنا عامل نفسي مش هاممني، بس أول ما شفت مشيرة قلبي انقبــ,,ـــــض. كانت قاعدة بكل هدوء وثقة، وشها اللي كان دبلان من الخدمة والتعب في بيتنا، ردت فيه الروح وبقى صافي ومرتاح، وكأن الهم انزاح عن كتافها. مابصتليش ولا حتى نظرة عتاب واحدة، كانت بتتعامل كأني حتة جماد واقف في الأوضة.
المحامي حط الورق قدامي، ورق تنازلات وإقرارات بـ استلام كافة الحقوق والمؤخر، وورق تاني يضمن إني أمضي على كل مليم وكل حق ليها، ومعاهم ورقة الطلاق.

بصيت للورق وبصيت لمشيرة، وعلّيت صوتي ببرود مصطنع عشان أداري كسرتي قدام المحامي:
* “أهو يا مشيرة.. كل حقوقك ومؤخرك وفلوسك هتاخديها اهي فوق الجزمة، عشان تعرفي بس إن معتز مابياكلش حق حد، وإنك أنتِ اللي خسرتِ بيتك وجوزك بغبائك”.
مشيرة ماردتش عليا، ملامحها ما تهرتش ولا اتهزت، بصت للمحامي وقالتله بصوت هادي وقوي:
* “خليه يمضي يا أستاذ مجدي.. خليه يمضي على كل ورقة، ويمضي إنه طلقني طلقة بائنة لا رجعة فيها، عشان مشوفش وشه تاني لا في حلم ولا في علم”.

مسكت القلم وإيدي كانت بترتعش غصب عني، بس كبريائي وعمايا خلوني أمضي وراقة ورا ورقة.. مضيت على المخالصة، ومضيت على المؤخر، ومضيت على قسيمة الطلاق اللي بتقطع أي خيط يربطني بيها تاني.
أول ما حطيت القلم، مشيرة قامت وقفت، لمّت ورقها وحطته في الشنطة بكل هدوء. وقبل ما تخرج من الباب، لفت وشها وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة شفقة وشماتة في نفس الوقت، وقالتلي بابتسامة باردة:
* “مبروك عليك الست الجديدة يا معتز.. مبروك عليك الشقا اللي هتشوفه، أنت وأمك. وافتكر الكلمة دي كويس: اللي يظلــ,,ـــــم ولية وييجي على صحتها وعمرها، ربنا مابيباركلوش لا في ضناه ولا في ماله..

أشوف وشك بخير يا طليقي”.
سابتني وخرجت، وأنا واقف مكاني حاسس بنغزة في قلبي، والورق اللي في إيدي حسيت فجأة إنه بقى تقيل.. قولت في بالي: “خلاص، غارت.. المهم دلوقتي ماسة وراحتها”. مكنتش أعرف إن في نفس اللحظة دي، في بيت أمي، ماسة كانت بدأت تستلم أول درس من حماتها…
رجعت البيت وأنا شايل هموم الدنيا وفرحان في نفس الوقت إني قفلت صفحة مشيرة خالص، وقولت خلاص كدة الدينا هتصفى لي. أول ما دخلت، لقيت الجو في البيت غريب ومشحون، مكنش هو ده الهدوء اللي كنت مستنيه.

أمي كانت قاعدة في الصالة، ووشها مقلوب، وأول ما شافتني دخلت، بدأت تبرطم وتشتكي من وجع رجليها وضهرها. الحقيقة اللي مكنتش عايز أشوفها بدأت تظهر؛ أمي مكنش هدفها تريح ماسة ولا حاجة، أمي لما لقت مشيرة مشيت والبيت البير اللي مبيخلصش ده مفيش حد يشيله، اتصدمت بالواقع.. المسؤولية كلها تقلت عليها، وهي صحتها على قدها ومش قادرة تقف على حوض ولا تكنس صالة. كان كل هدفها تجيب ماسة عشان تحلها محل مشيرة، وتتحول ماسة للخدامة الجديدة اللي تشيل عنها شقى البيت، ومكنتش عاملة حساب إن ماسة جاية تتدلع وتتستت.

على الناحية التانية، ماسة مكنتش هينة ولا غبية، كانت قاعدة في الأوضة وحاطة رجل على رجل، وعينيها على حاجة تانية خالص.. مكنش في دماغها لا خدمة أمي ولا البيت. أول ما دخلت عليها وقعدت جنبهما على السر,,ـــــير، لفت دراعها حواليا وقالتلي بنبرة كلها لؤم ودلع:
* “حمد الله على السلامة يا حبيبي.. كويس إنك خلصت من القصة دي وبقيت ليا لوحدي. بس قولي بقى يا معتز، إحنا هنفضل قاعدين في بيت العيلة ده لحد إمتى؟ أنا مبرتاحش هنا، والقعود مع مامتك بيجيبلي اكتئاب وهو ده اللي تعبني وتعب البيبي.”
بصيتلها باستغراب وقولتلها:
* “ماله بيت العيلة يا ماسة؟

ما البيت واسع وأهو أمي معاكي تشيل عنك.”
لوت بوزها وقالتلي بكل بجاحة:
* “تشيل عني إيه بس! دي من ساعة ما جيت وهي عمالة تلمحلي على المطبخ والغسيل.. اسمع يا معتز، أنت لازم تبيع نصيبك في البيت ده.. أيوة، خدهم كاش كدة وخلينا نعيش حياتنا صح! أنا محتاجة عربية صغيرة أتحرك بيها بدل البهدلة دي، ونشتري حتتين دهب حلوين كدة أتشرف بيهم قدام زمايلي في الشغل، ونخرج ونفسح الواد اللي جاي في بطني ده ونعيش في شقة لوحدنا بعيد عن خناق الحموات.. أنت مش قولتلي إنك عايش الحياة بالطول والعرض؟ وريني بقى!”
وقفت مكاني مذهول..

كلام ماسة صدمنا، وكلام أمي برة في الصالة كان شغال مبيمــ,,ـــــوتش.. لقيت نفسي فجأة واقع بين مطرقة أمي اللي عايزة “خدامة” بديلة لمشيرة، وسندان ماسة اللي عايزة “تنفضني” وتبيعني نصيبي في ورث أبويا وبيت العيلة عشان تصرفه على الفسح والعربية والدهب! لأول مرة أحس إني بدأت أدخل في حيطة سد…

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى